رأي

ميراث الغضب

منال علي محمود

 

 منال علي محمود 

 manal002002@gmail.com

المشكلة في السودان لم تكن يوماً في من يحكم، بل في الطريقة التي أُديرت بها الدولة. حكم الإسلامويين لم يترك فراغاً سياسياً فقط، بل خلّف تراكماً سلبياً في الإدارة، في فهم الوظيفة العامة، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع.

سقطت منظومة، لكن طريقة الحكم ظلت حاضرة، تتنقل من يد إلى أخرى.

الدولة لم تُبنَ كمنظومة، بل كشبكة. 

المسؤوليات لم تُحدد، الصلاحيات تداخلت، والوظيفة العامة انفصلت عن معناها. الولاء صار بديلاً عن الكفاءة، والثقة الشخصية بديلاً عن المنهج. في هذا المناخ، لا تُدار المؤسسات، بل تُدار العلاقات.

كما قال ماكس فيبر عن البيروقراطية والدولة. “الدولة الحديثة هي تلك التي تنجح في فرض سلطة القوانين على الأفراد، لا على الأشخاص.”

الخوف من الاختلاف لعب دوراً مركزياً. بدل أن يكون القانون هو الحكم بين الناس، صار الاختلاف الفكري شبهة، والسؤال تهديداً، والنقد خروجاً عن الصف. الدولة التي تخاف من الأفكار تعترف ضمنياً بأنها بلا قواعد تضبط العمل العام. كما أشار ألكسيس دو توكفيل، “الديمقراطية ليست حكم الأغلبية فقط، بل احترام القوانين والحقوق الفردية.”

السلطة تحولت إلى مائدة. أطباق ممتلئة عند قلة، وآخرون جوعى للعمل، للفكرة، للمشاركة. هذا الخلل لا يصنع ظلماً فقط، بل يصنع دولة عاجزة عن استثمار مواردها البشرية، وغير قادرة على بناء ثقة داخلية. تشابه هذا التراكم مع ما حدث في الاتحاد السوفيتي، حيث لم يسقط النظام فقط بسبب الاقتصاد أو الحروب، بل بسبب غياب الشفافية، تداخل السلطة، تهميش الكفاءات، وضعف المؤسسات عندما يفقد المسؤولون والثقة الشعبية قيمة النظام، تنهار الدولة من الداخل، مهما بدا الخارجي مستقراً.

كيف نُضيِّع دولة؟

تُضيَّع الدولة عند الخلط بين السلطة والإدارة، وحين تصبح الوظيفة العامة مكافأة لا مسؤولية.

تُضيَّع عندما يُختار من “نضمنه” لا من يفهم الموقع، وعندما يشعر فرد فيها أنه أقل قيمة من غيره، ويرى خللاً في المساواة، ويُمنع من قول ذلك،تُضيَّع الدولة أيضاً حين يُمارس قانون الوجوه الغريبة ضد مواطنيها بكل أوجهه، فيكون الانتماء أو القرب من السلطة معياراً للحماية أو العقاب، بدل أن يكون القانون وحده هو الحكم. هذا الخلل يعمّق الانقسامات ويُضعف العدالة ويخلق شعوراً بعدم الانتماء لدى المواطن…. عندها تنهار الثقة، ويتحول الولاء إلى خوف لا قناعة.

تُضيَّع الدولة حين تُكدّس المهام عند أشخاص بعينهم، لا لأنهم الأكفأ، بل لأنهم الأقرب، بينما يُقصى القادرون. وحين يتم التعيين بلا فحص، والثقة بلا نظام، وملء المواقع قبل بناء آليات تحقق ومحاسبة. أخطر اختراق للدولة لا يأتي من الخارج، بل يدخل عبر قرار إداري خاطئ.

الدولة ليست نوايا ولا شعارات. هي نظام، أدوار واضحة، معايير أداء، ومساءلة. حين يغيب هذا كله، لا يعود السؤال من أخطأ، بل لماذا صُمم النظام ليُنتج الخطأ. تشهد مقولة تشارلز ديكنز.”لا يمكن لأي نظام أن ينجح إن لم يشعر كل فرد فيه بالعدالة والقيمة.”

الخاتمة

هل ننتظر نتائج مختلفة ونحن نكرر نفس المنهج؟

أم أن كسر ميراث الغضب يبدأ من كسر طريقة الحكم نفسها، لا من تبديل الوجوه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!