مأساة العودة المبتورة وأزمة إنسانية طواها النسيان

مأساة العودة المبتورة وأزمة إنسانية طواها النسيان
بقلم: نجوي بابو
تعيش مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية الصامتة في السودان حيث تحولت آمال آلاف النازحين في العودة الطوعية إلى صدمة ميدانية قاسية. فبعد حصار ومعارك طاحنة استمرت لنحو ثلاثة أعوام، عاد المواطنون ليجدوا أنفسهم أمام واقع مرير يفتقر لأدنى مقومات الحياة ومحاطاً بمخاطر أمنية واقتصادية جسيمة، وسط تجاهل إعلامي ودولي يضع عدالة توزيع الدعم الإنساني بين الأقاليم السودانية المتضررة على المحك.
تتجسّد معاناة العائدين إلى في عمق الفجوة بين الوعود الإدارية والواقع المأساوي على الأرض، إذ عاد الأهالي ليجدوا منازلهم التاريخية، ومرافقهم الخدمية، وبنيتهم التحتية في حالة دمار شبه كامل. ولم تتوقف المعاناة عند حدود الدمار الإنشائي، بل برزت معضلة الانتشار الخطير للمقذوفات المتفجرة والألغام وسط الأحياء والمسارات الرعوية، مهددةً أرواح المدنيين وقطاع الثروة الحيوانية خاصة بادية المسيرية الحمر التي تتخذ من أراضي بابنوسة الرملية (المخارف) ملاذاً حيوياً لقضاء موسم الأمطار.
وعلى الصعيد التنموي، تسببت الحرب في فقدان المزارعين لـموسمين زراعيين متتاليين، مما أصاب عصب اقتصاد الصمود بالشلل، وتزامن ذلك مع غياب تام للمياه الصالحة للشرب، وتدهور الخدمات الطبية، فضلاً عن توقف المسيرة التعليمية لآلاف الأطفال نتيجة العوز الفادح الذي يعصف بالعائلات. وفي ظل هذا الوضع المتأزم، تواجه القوى المدنية وسلطات الأمر الواقع انتقادات لاذعة باتباع معايير مزدوجة والتورط في تراشقات سياسية وإعلامية لا تخدم المواطن، وسط تفاوت ملحوظ في حجم المساندة المادية والمعنوية التي حظيت بها مدن أخرى كالخرطوم ومدني والفاشر مقارنة بأقاليم كردفان ومدنية بابنوسة المنكوبة علي وجهه الخصوص إن حق العودة الطوعية لأهالي لا يمكن اختزاله في تدابير ورقية أو بيانات دبلوماسية معزولة، فالاستقرار الحقيقي ينطلق من تطهير الأرض من مخلفات الموت وإعادة إعمار المرافق الحيوية.
وتظل استغاثة المدينة اليوم نداءً أخلاقياً وإنسانياً صارماً للمجتمع الدولي والمنظمات الإغاثية، لإنقاذ كرامة الإنسان ووضع حد لمعاناة المنسيين في الهامش السوداني قبل أن يتحول الاستقرار إلى سراب يدفع بالعائدين نحو فخ النزوح المتكرر وفخ تجنيد أطفانا القصر الذين فقدوا مدارسهم نتيجة غياب الدولة .



