رأي

المثلث الذهبي للتفاوض: الرد على الأستاذ أمجد فريد

صلاح جلال

 

صلاح جلال 

“التفاوض ليس تسليمًا للضعفاء، بل فن صناعة الرابحين المشتركين.”

أستاذ أمجد فريد، تحياتنا وتقديرنا، ولكن عندما قرأت مداخلتك على تعقيبى على الحديث المسجل للسيد د.الشفيع أحمد محمد زهلت ممافيه من تشويه وضبابية لمفهوم الحلول التفاوضية فما يطرحه د.الشفيع هو دعوة لشروط المنتصر وإستسلام المهزوم وإن كانت حالة الحرب كذلك فهى لا تحتاج لتفاوض بل إقتياد المتمردين الى المحاكم وفق القانون العسكرى . أما عن فن التفاوض، أرى أن هناك ضرورة لتوضيح بعض النقاط الجوهرية التي تُحدث فرقًا بين التفاوض الفعّال وبين مجرد تبادل الكلمات، التفاوض الحقيقي هو توازن موضوعي للقوة، يقوم على تنازلات ذكية وحلول وسطية تلزم الأطراف بتحقيق مكاسب متبادلة. من دون هذا التوازن، يتحول الحوار إلى إملاء المنتصر على المهزوم، مما يُعرف بـ The doctrine of conquest، وهو الطريق الأمثل لإستمرار النزاع وتعميق الخسائر ، الحلول المجتزئة لقضايا الحروب فى البلاد منذ ١٩٥٥م جعلتها إستراحة محارب لعدم معالجة أسبابها الجذرية .

أي نزاع، سواء سياسي أو اجتماعي، لا يخرج عن ثلاثة مسارات للحل. الأول هو فرض القوة والانتصار على الآخر، وهو مسار قصير المدى لا يضمن الاستقرار لأنه يولد استياء دائمًا وانتظار لفرصة تجدد النزاع . الثاني هو اللجوء للمحاكم، حيث تُفرض حلول قانونية تنفذها القوة الجبرية تحت سقف العدالة ، لكنها تظل شكلية قابلة للنقض إذا لم تكن منصفة وهناك قبول شعبي حقيقي لها . أما المسار الثالث، وهو الأهم، فهو الحل التفاوضي الذي يقوم على توازن القوة وتقاسم المصالح، ما يسمى في أدبيات فن التفاوض بـ المثلث الذهبي للحلول. هذا المسار يحقق المكاسب للطرفين، ويمنع انغماس الجميع في حلقة الخسارة المستمرة وحلقات القتال المفرغة .

وفي معرض ردّي على حديثك، أود أن أؤكد أن شعور كل طرف بتحقيق مكسب ملموسة هو الأساس للتفاوض او تجنب خسائر محتملة . دون هذا الشعور، يصبح التفاوض لعبة كلامية، بينما يبقى النزاع محتدمًا، ويخرج الجميع خاسرين. الالتزام بالعلم والمعرفة الموضوعية لقواعد التفاوض ليس رفاهية، بل ضرورة عملية لتجنب استمرار الصراعات مما يزيد من سفك الدماء وخراب العمران ويقود لتفكك الدولة ، سواء كانت على المستوى السياسي أو الاجتماعي.

أستاذ أمجد، التفاوض لا يعني التخلي عن المبدأ، ولا يعني تقديم تنازل مفرط لصالح طرف على حساب الآخر. بل هو فن استغلال الأرضية المشتركة لإنتاج مكاسب متبادلة وتجنب توسع مصاعفات النزاع ، التفاوض يحول الصراع من العدمية إلى فرصة لحل مستدام. المثلث الذهبي للتفاوض، إذا أُحسن تطبيقه، ليس شعارًا نظريًا، بل خارطة طريق عملية لأي عملية سياسية أو اجتماعية جادة.

في الختام، أرى أن الحديث عن التوازن بين القوة والمكاسب المشتركة يجب أن يكون أكثر وضوحًا في خطابنا الموضوعى ، فلا يكفي الإشارة إلى التفاوض كفكرة عامة تستبطن الإستسلام ، بل يجب التركيز على كيفية خلق منبر تفاوض فعال يخاطب جذور الأزمة ويستشرف الحلول لتحقيقها فعلياً، مع ضمان قبول الأطراف بما تحقق لهم من أجل إستدامة السلام ، وإلا فإننا سنبقى أسرى دائرة الصراع والخسارة المتكررة والإنفتاح على زوال الدولة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!