رأي

هدم الكنيسة الخمسينية: جريمة أخرى تفضح كيزان سلطة بورتسودان

علي أحمد

في فجر الأربعاء 10 يوليو، تحرّكت جرَّافات سلطات الأمر الواقع في ولاية الخرطوم مُسرَّعةً صوب الحاج يوسف – شارع واحد، وكأنها في مهمة طوارئ لإنقاذ الأرواح. لكنّ مهمتها كانت نقيض ذلك تمامًا: إزالة «الكنيسة الخمسينية» ومصادرة كل ما فيها من مقاعد وأناجيل وأجراس، كأنَّ البيوتَ التي تُرفع فيها الصلوات صارت تهديدًا لأمن الدولة. هكذا، بلا قرار قضائي، بلا احترامٍ لأبسط حقوق الإنسان، وبلا أدنى شعور بالخجل، هُدمت دار عبادةٍ مسيحية يعيش حولها آلافُ السودانيين الذين ظنّوا، للحظة، أنّ الحريات الدينية قد استيقظت بعد ثورة 2019.
فلنسّمِ الأمور بأسمائها: حكومة بورتسودان الحالية  التي تتخفّى في زي «مجلس سيادة مُكبَّل» – ليست سوى امتدادٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ لـجماعة الإخوان المسلمين. لا نحتاج إلى عدسات مكبّرة لنرى أنّ عقلية «التمكين» عادت، وأنَّ خطوط الهاتف بين بورتسودان ومكاتب التنظيم في أنقرة والدوحة مفتوحة على مدار الساعة. نفس الشبكة التي فرَّخت قوانين «النظام العام» وشرعنت مصادرة الصحف وإقفال المنابر، هي نفسها التي توجّه الهدم العشوائي لدور العبادة غير الإسلامية.
والأدهى أنّ سلطةً لم تجرؤ على تحقيق انتصار مؤزر  واحد منذ بداية الحرب الراهنة، حيث هربت وتركت المواطنين المصيرهم؛ تجد «الجرأة» لتطارد قِلةً من المصلين الذين لا يحملون إلا كتبهم المقدسة. هذا تطبيقٌ عمليّ لشعارهم الأبدي: «اضرب الأضعف لتبدو قويًا». فالإخوان ماضون في استثمار نفوذهم داخل أجهزة الجيش والأمن؛ يلوّحون بورقة «الحرب على الإلحاد» كلما احتاجوا إلى تغطية فسادٍ أو فشلٍ أو نزيف أرضٍ جديدة لصالح الحرب الدائرة. إنهم يمارسون هندسةً ديموغرافيةً صامتة، تستبدل التنوّع التاريخي لمدن السودان بخرائط أحادية اللون.
هدمُ الكنيسة الخمسينية ليس حادثًا معزولًا؛ هو حلقة في سلسة تتضمن:
•مصادرة أراضٍ كنسية في بحري.
•منع تصاريح بناء كنائس جديدة منذ تسعينيات القرن الماضي.
•إحراق كنائس في جبال النوبة ودارفور على يد مليشيات متحالفة مع الجماعة.
وحين يسأل الصحافي: «أين القانون؟» يقتبس موظف من دفترٍ عتيق: «الموقعُ مخالف، والإزالة جاءت لصالح التخطيط العمراني». عذرٌ يأتي من سلطةٍ لم تُنجز شارع إسفلتٍ واحدًا منذ انتقالها إلى بورتسودان.
المطلوب الآن ليس بيانات تنديد غربية تُلقى في سلة المهملات، بل ضغطٌ داخلي صريح:
1.إعادة بناء الكنيسة فورًا على نفقة الولاية وتعويض كامل عن المنقولات.
2.فتح تحقيق مستقل تُشارك فيه منظمات مسيحية وإسلامية وحقوقية لكشف المتورطين.
3.إصدار قانون فيدرالي يجرّم إزالة دور العبادة إلا بحكم قضائي مبرم.
والأهم: على الشارع السوداني ألا يبتلع طُعم «الفتنة الدينية». جريمة اليوم ليست ضد المسيحيين وحدهم؛ إنها إنذارٌ لكل مواطن بأنّ سلاح الهدم سيُوجَّه غدًا إلى أي زاويةٍ تُخالف مزاج الحاكم.
فإذا صمتنا اليوم على «كنيسةٍ تُهدَم»، فلن يطول الوقت حتى نصحو على «وطنٍ يُقوَّض» حجرًا حجرًا باسم الدين، بينما تتكدّس مليارات التجار الذين يوظفون شعار «الله أكبر» ستارًا لنهب الإنسان والأرض والقيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!