الحقيقة اكبر من السردية الضيقة.. رد على مقال الاستاذ علي عسكوري “الشمال النيلي: مآلات الصراع”..
مهدي داود الخليفة

أدهشني – كما أدهش كثيرين – أن يخطّ قلم الصديق علي عسكوري، الذي عُرف يومًا بارتباطه بالحركة الشعبية وتاريخه في الدفاع عن قضايا المهمّشين، مقالًا يغرق في خطاب مناطقي مُحمّل بالإشارات العنصرية واللغة المستعلية تجاه مكوّن أصيل من مكونات هذا الوطن. مقال “الشمال النيلي: مآلات الصراع” لم يكن مجرد تعبير عن رأي، بل كان، بكل أسف، تأجيجًا لخطر الانقسام الذي نحاول بكل السُبل تجاوزه في سودان اليوم.
كنا نظن – وبعض الظنّ فضيلة – أن الذين حملوا راية النضال من أجل المهمّشين، سيتحدثون عن وحدة السودان لا تمزيقه،
عن المساواة لا المحاصصة،
عن العدالة لا الثأر.
لكن عوضًا عن ذلك، تفاجأنا بمقال يستنسخ أدبيات التمايز القبلي والمناطقي، ويكرّس لفكرة “المركز ضد الهامش” بطريقة لا تخدم إلا مروّجي الانقسام، وتضعف مشروعية النضال الوطني الذي نذر له كثير من أبناء السودان أعمارهم، بمن فيهم المنتمين لما يسميه الكاتب بـ”الجلابة”.
ولا يفوتنا أن نذكّر بأن الحركة الشعبية التي خرجت من رحمها مناضلون ، أمثال الرفيق ياسر عرمان والرفيق عبدالعزيز الحلو و الدكتور محمد يوسف احمد المصطفي و الرفيقة بثينة دينار ظلّوا – رغم كل التباينات – قابضين على جمر القضية، ولم يساموا يومًا في الدفاع عن قضايا التهميش والمهمشين. هؤلاء القادة، برؤيتهم العميقة وإيمانهم الراسخ بمشروع السودان الجديد، قدّموا نموذجًا للالتزام بالقيم الوطنية الجامعة، لا بخطابات الانقسام والفرز الجهوي. إن مسيرة هؤلاء المناضلين تذكّرنا بأن التغيير الحقيقي لا يقوم على إحياء العصبيات، بل على مشروع وطني يحقق المساواة والعدالة لكل السودانيين.
أليس من المفارقة أن يكون حديث “الانفصال” الآن صادرًا عن مناطق نشأت فيها الدعوة إلى وحدة السودان؟ مناطقٍ خرج منها الإمام المهدي ووحّد بها البلاد من أقصاها إلى أقصاها؟
يشير المقال إلى نهبٍ مزعوم لذهب الولايتين الشمالية ونهر النيل، ويتهم ضمنًا “الآخرين” – دون تسميتهم – بأنهم المستفيدون من الثروات على حساب السكان الأصليين. هذه سردية يُراد بها اختزال فشل الدولة في الإدارة إلى معركة جهوية.
لكن الحقيقة أعقد من ذلك بكثير:
الذين يعملون في قطاع التعدين التقليدي ليسوا نُخبًا ناهبة، بل شباب مهمّشون جاؤوا من أقاصي السودان يلهثون خلف لقمة العيش. وغالبًا ما يكونون ضحايا للاستغلال الرأسمالي، لا أدوات لنهب منظم.
الولايتان الشمالية ونهر النيل، رغم غياب التنمية فيهما، استفادتا من بنى تحتية وخدمات أساسية افتقدتها ولايات أخرى منذ الاستقلال. الفقر الموجود هنالك حقيقي، لكنه ليس حكرًا عليهما، بل هو سمة عامة لمعظم السودان الذي فشلت النخب – من كل الجهات – في خدمته.
من الظلم أن نُلقي باللائمة على “الغرباء” أو “الآخرين” من غير أبناء الولايتين، دون أن نسمي سياسات الحكومات المركزية – التي أدارها كثيرون من أبناء الشمال النيلي أنفسهم – كجزء من منظومة الاستبداد والفشل الوطني.
إن طرح خيار “الانفصال” كحلٍّ لأزمات مركزية في الحكم والثروة، ليس إلا وصفة لتفتيت السودان، وتكرار مأساة جنوب السودان، بل وتدشين لصراعات أهلية في كل إقليم ضد الآخر. فما الذي يضمن ألّا يخرج علينا غدًا من ينادي بانفصال دارفور، أو كردفان، أو الشرق، أو الوسط؟
ترويج هذا الخطاب لا يخدم إلا مشاريع التدخل الخارجي، ويضعف الإجماع الوطني حول أي مشروع سلام أو تنمية. كما أنه يُغذّي خطابات الكراهية المضادة، ويُطلق العنان لمتوالية لا تنتهي من “الكل ضد الكل”.
ليس هناك خلاف حول مشروعية المطالبة بتحسين الخدمات، وضمان حصة عادلة من الثروات، وتحقيق العدالة في توزيع الموارد. ولكن المطالب العادلة تفقد مشروعيتها حين تُقدّم ضمن خطاب جهوي تقسيمي يتعامل مع باقي أبناء الوطن كمغتصبين أو “غرباء”.
كيف يستقيم أن نطالب بحقوقنا كمواطنين في وطن واحد، ثم نُقصي المواطنين الآخرين من ذات الحق، بحجة أنهم من خارج الولايتين؟ إن ما نحتاجه هو بناء دولة مواطنة حقيقية، لا إعادة إنتاج تهميش جديد في شكل عنصرية مناطقية معكوسة.
نعم، الدولة السودانية فشلت – لا فقط في الشمال – بل في كل شبر من الوطن. والنخب السياسية، بكل أطيافها، بما في ذلك من حكموا ومن عارضوا، يتحمّلون مسؤولية هذا الانهيار. لكن الخطر الأكبر اليوم هو أن تُستثمر هذه الإخفاقات لبناء مشاريع انقسام، لا مشاريع إصلاح.
من يريد إنصاف الشمالية، يجب أن يناضل من أجل إنصاف دارفور والنيل الأزرق والشرق وكسلا وجبال النوبة وكل بقعة في الوطن. لا عدالة انتقائية، ولا تنمية بمنطق “من يملك السلاح يأخذ أكثر”.
يا صديقي علي عسكوري…
نحن لا ننكر حجم الجراح، ولا عمق الإحساس بالخذلان، لكن الجرح لا يُداوى بتوسيع النزيف، ولا تُداوى نار الحرب بصبّ الوقود. كنّا ننتظر منك دعوة لتوحيد السودانيين خلف مشروع وطني جامع، لا خلف خنادق مناطقية.
فلنتحدث عن العدالة لا عن الانفصال،
عن بناء الدولة لا عن مغادرتها،
عن المستقبل لا عن الاحتراب على الماضي.
السودان اليوم على حافة الانهيار، ولا سبيل لإنقاذه إلا بخطاب وطني يعترف بالظلم ويعمل لتجاوزه، لا بخطاب يفرز السودانيين إلى “أصحاب حق وناهبين”.
ولْنُذَكّر أنفسنا دائمًا، أن الوطن لا يبنيه الغاضبون بل العقلاء،
ولا تحميه الانقسامات بل الجسور،
ولا يُبنى بمقالٍ غاضب بل بإرادة واعية حرة.
هذه الأرض لنا جميعًا…
ولن نتركها لتمزقنا بسكاكين الجغرافيا.




