العودة إلى الفردية المركزية أم انحراف مبكر عن مشروع تأسيس؟
عبد الرحمن العمرابي - لندن – بيت السودان

عبد الرحمن العمرابي
في خضم مرحلة انتقالية دقيقة يسعى فيها السودانيون إلى بناء دولة مدنية فدرالية على أسس المواطنة والشفافية والمؤسسية، ورد في وسائل الإعلام خبر مفاده أن السيد فارس النور، حاكم إقليم الخرطوم في حكومة “تأسيس”، قد اتخذ أولى قراراته بعد استلام مهامه الرسمية بمنح قطعة أرض لصالح الكنيسة الخمسينية، وإعادة تأهيل كنيستها المتضررة على نفقة حكومة الإقليم.
إذا صحت هذه الرواية، فإننا أمام إشكال مزدوج: أولًا في مضمون القرار وثانيًا في توقيته وسياقه المؤسسي. فالسؤال الأهم ليس عن الجهة المستفيدة، بل عن المنهج والأسس التي حكمت اتخاذ القرار في هذه اللحظة التاريخية.
إن تحالف “تأسيس” الذي نشأ بميثاق واضح ودستور معلن، أكد على تفكيك المركزية لا إعادة إنتاجها بصور جديدة. ولم يرد في أي من نصوص الميثاق أو الدستور المعتمد ما يخول حكام الأقاليم اتخاذ قرارات منفردة ذات طابع رمزي أو مالي بهذا الحجم دون المرور بالمؤسسات المعنية، خاصة وأن الهياكل التنفيذية للإقاليم لم تكتمل بعد، كما لم تُفعّل السلطات الفدرالية على نحو يسمح بمثل هذه المبادرات الانفرادية. فلنبداء بأداء اليمين الدستوريه وتفعيل هياكل الحكم فما زالنا في أول الطريق.
الأولوية في هذا الظرف يجب أن تكون واضحة: التعليم، الصحة، المياه، ومحاربة الأوبئة المنتشرة في الإقليم، مثل حمى الضنك والكوليرا، وإنقاذ جيل كامل من الأطفال الذين فقدوا ثلاث سنوات من التعليم المنهجي، لا الدخول في ملفات تثير الحساسيات الرمزية والدينية أو تُستغل لإعادة إنتاج خطاب الإسلاميين المموّه تحت شعارات الحرية.
نحن نؤمن بحقوق الأديان والمؤسسات الدينية، ونؤمن بالدولة العلمانية، ولكن الدولة لا تُبنى من دور العبادة، بل من المدارس والمستشفيات ومراكز الإنتاج. وإذا كان لا بد من إعادة الإعمار الرمزي، فلنبدأ بإعادة تأهيل مستشفى جعفر بن عوف للأطفال، أو تأهيل مجاري الصرف الصحي التي تحاصر الأحياء، لا الكنائس والكنس والجوامع.
وحتى لا يُساء الفهم، فإننا نرفض الهجوم أو التشكيك في نوايا السيد فارس النور، وما زلنا نشكك في صحه ما ورد، ولكننا نطالب باحترام ترتيب الأولويات، واحترام النظم، وعدم اتخاذ قرارات انفرادية قد تُفهم على أنها عودة لممارسات سلطات المركز البائد، وإن أُلبست لباس الإقليم أو الحق الديني.
إننا نثق أن ما ورد قد يكون غير دقيق أو خارج عن السياق، وندعو السيد الحاكم إلى التوضيح. فإن لم تصدر عنه تلك التصريحات فهو أدرى بأهمية تصحيحها، وإن صدرت فنحن نطالبه بالرجوع إلى المؤسسية التي تعهدنا جميعاً ببنائها ضمن مشروع “تأسيس”.
السودان الجديد لا يقوم على اجتهادات فردية، ولا على شعارات رمزية، بل على دولة خادمة، وللخدمة أولويات، وللشعوب السودانية الكلمة العليا.




