
مجدي محمد مصطفى
في عمق الأزمة السودانية المستفحلة، لا يكمن فقط فشل سياسي أو انهيار اقتصادي أو استقطاب إثني حاد، بل يكمن جرح غائر اسمه “نخب بلا ضمير”. هذه النخب التي تواطأت مع الدولة العميقة، واندمجت معها، وتماهت فيها حتى صارت جزءاً من بنيتها، لا من ضحاياها.
لكن كيف أنتجت الدولة السودانية القديمة هذه النخب؟ وكيف نجحت في استخدامها لخداع الشعوب السودانية المتنوعة، ودفعها إلى الهاوية، حرباً وجوعاً وتشظياً؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها بمعزل عن التاريخ العنيف، والتركيبة المختلّة، والبنية المعطوبة التي تأسست عليها الدولة السودانية منذ الاستقلال، وربما قبله.
أولاً: دولة بلا مشروع وطني جامع
الدولة السودانية، مذ الاستقلال، لم تُبنَ على أساس مشروع وطني يعترف بتنوع البلاد ويُبنى على العدالة والمواطنة، بل ورثت نموذج الدولة الاستعمارية الذي حكم عبر القلة، وفضّل جماعات على أخرى، وأقصى الأطراف لحساب المركز، وشوّه الوعي الجمعي لصالح نخبة ضيقة من المتعلمين والمنتفعين.
في ظل هذا النموذج، لم يكن هناك حافز حقيقي لخلق نخب مسؤولة أو قيادات ذات التزام أخلاقي. بل على العكس، كان النجاح السياسي مرهوناً بالولاء، والخضوع، والانتهازية، لا بالاستحقاق أو الرؤية أو الالتزام بالقيم.
ثانياً: تحالف السلطة والثروة والقبيلة
منذ فجر الاستقلال، نشأت علاقة مرضية بين السلطة السياسية، والثروة الاقتصادية، والانتماء القبلي أو الجهوي. فصار الانتماء السياسي لا يُكافأ بالكفاءة، بل بالمحاصصة، والتمكين، والمحاباة.
ومع تعاقب الأنظمة، وخاصة تحت حكم الكيزان، تطورت هذه العلاقة إلى بنية فساد متكاملة: يُعيَّن المسؤول لأنه من “أبناء الجماعة”، ويُمنح حق النهب لأنه “أمين”، ويُبرر الخراب باسم “التمكين للدين أو الوطن”.
من هذا المسار، نشأت نخب نفعية، منفصلة عن وجدان الشعب، لا ترى في الدولة سوى وسيلة لتضخيم الذات والمصالح، ولا تجد حرجاً في بيع الخطاب الأخلاقي نهاراً، وسرقة قوت الفقراء ليلاً.
ثالثاً: تزييف الوعي عبر الإعلام والتعليم والدين
أخطر ما فعلته الدولة القديمة، هو تدجين الوعي الجمعي، باستخدام أدوات التعليم والإعلام والخطاب الديني.
تم تلقين الأجيال خطاباً كاذباً عن “عروبة خالصة”، و”وحدة مصطنعة”، و”دين مسيس”، لتبرير هيمنة أقلية على الأكثرية، وقمع التنوع، وتجريم أي مطالبات بالعدالة والمساواة.
في هذا الجو، نشأت نخب تزيِّن القهر، وتروِّج للكذب، وتُشرعن الظلم، إما رغبة في القرب من السلطان، أو طمعاً في الفتات، أو جهلاً وغفلة.
رابعاً: المثقف الذي خان رسالته
لعب الكثير من المثقفين دوراً مركزياً في الكارثة. بدل أن يكونوا ضمير الأمة، صاروا أبواقاً للسلطة، أو وسطاء بين الجلادين والضحايا، أو دعاة للاستسلام بذريعة “الواقعية السياسية”.
بل إن بعض كبار المثقفين السودانيين، ممن كانت تُعلّق عليهم الآمال، باعوا قضايا العدالة مقابل مناصب وهمية، أو سكتوا عن القتل والقمع، حفاظاً على مصالحهم. وهذا يطرح سؤالاً مريراً: هل كان بعض من حسبناهم من “النخب” جزءاً من المشكلة، لا من الحل؟
خامساً: تفتيت المجتمع واستغلال الشروخ الاجتماعية
بذكاء شرير، استغلت الدولة القديمة التناقضات الاجتماعية السودانية: قبائل ضد قبائل، جهويات ضد جهويات، عرب ضد أفارقة، مسلمين ضد مسلمين.
زرعت هذه التناقضات داخل النخب نفسها، فصار بعضهم ينظر لقضاياه من منظور قبلي أو جهوي لا وطني، وصارت لغة الطائفية هي وسيلة الصعود السياسي، حتى بين من يدّعون “الحداثة” أو “الثورية”.
النتيجة: نخب عاجزة عن قيادة التغيير
عندما اندلعت الثورات السودانية، ظهر بوضوح أن هذه النخب ليست مؤهلة لقيادة تحول تاريخي. بل كثير منهم أعادوا إنتاج ذات الأنماط التي ثار عليها الشعب: المحاصصات، المؤامرات، الكذب، الارتهان للخارج، والعجز عن بناء رؤية وطنية موحِّدة.
خاتمة: هل هناك أمل؟
رغم كل ما سبق، لا يزال الأمل معقوداً على نشوء جيل جديد من النخب، غير ملوثة بثقافة الدولة القديمة، وغير مأخوذة بالامتيازات، بل منغرسة في هموم الناس، ومؤمنة بوطن يتسع للجميع.
ولعل من واجب هذا الجيل أن يتعلم من فشل النخب السابقة، لا أن يلعنها فقط، وأن يُدرك أن الضمير ليس ترفاً، بل شرط بقاء، وأن النخبة التي لا تتحلى بالضمير، إنما تمهد الطريق لخرابٍ دائم، وموتٍ بطيء للأوطان.




