رأي

مهما استطالت الحرب… فإن فجر السلام قادم

نجم الدين دريسه

نجم الدين دريسه

إن الكلمات التي تبعث الأمل في النفوس لا تزال تجد طريقها وسط دخان البنادق وركام الخراب. وفي قلب هذه الظلمة التي فرضتها حرب الخامس عشر من أبريل، لا يزال الفريق أول محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع، يردد عبارته الخالدة، المؤمنة بعدالة القضية وضرورة النصر للمهمشين:

“سننتصر لضحايا الفقر والتهميش والظلم في كل أنحاء الوطن، ولن نسمح باستمرار استبداد الدولة المركزية.”

تلك العبارة ليست شعارًا عابرًا، بل تعبير صادق عن رؤية تحررية تنطلق من عمق معاناة الأغلبية المغيّبة، والتي طالما عانت من ظلم تاريخي ممنهج مارسته دولة النخبة الموروثة عن الاستعمار. فقد كشفت هذه الحرب الأخيرة بوضوح لا لبس فيه، هشاشة البنية الهيكلية لمؤسسات الدولة، المدنية منها والعسكرية، وأبرزت كيف ظل الجيش عقبة كؤودًا أمام تأسيس مشروع وطني توافقي.

لقد ظل هذا الجيش، على مدار العقود، يُستخدم كعصا غليظة لحماية دولة الامتيازات المركزية المرتهنة سياسيًا وثقافيًا لمصر، ومارس دورًا وظيفيًا في ضرب قوى الهامش وتكريس حكم نخب طفيلية احتكرت الثروة والسلطة واحتكرت العنف باسم الدولة.

إن الدولة النخبوية لم تكتفِ بتوظيف أدوات القمع فحسب، بل سعت أيضًا إلى هندسة الوعي الجمعي، فأنشأت مناهج تعليمية مختلة، وكتبت تاريخًا مفخخًا بالزيف والتضليل، وأنتجت نخبة ثقافية متماهية مع خطاب الهيمنة. هذه النخبة مارست عملية غسيل أدمغة منظمة، أسست فيها للتابوهات ومناخات الخوف، وروّجت لرؤية أحادية لا ترى في التعدد سوى تهديد.

لقد أدركت السلطة المركزية جيدًا ما أشار إليه المفكر نعوم تشومسكي حين قال:

“إذا أردت أن تفرض هيمنتك على شعب ما، فاخترع له عدوًا وهميًا يبدو أكثر خطرًا منك، ثم قدم نفسك كمخلّص له.”

وهذا ما فعلته الدولة السودانية باستمرار: صناعة الأعداء، ثم تبرير القمع والإبادة بحجة حماية الوطن.

منذ الاستقلال وحتى اليوم، لم تكن الدولة السودانية دولة تعبير حقيقي عن إرادة الشعوب المتنوعة التي تسكن هذا الوطن، بل كانت امتدادًا لاتفاق نخبوي محصور، صفقة صيغت خارج هموم الناس وآمالهم. ولذلك، كل احتجاج وطني كان يُدمغ بالتمرد، وكل صوت مختلف يُجرّم، كما حدث مع الحركة الشعبية لتحرير السودان، حين جرى شيطنة زعيمها التاريخي الدكتور جون قرنق، الذي كان يحمل مشروعًا وحدويًا عقلانيًا.

ولم تختلف العقلية المركزية في تعاملها مع قوات الدعم السريع، خاصة بعد انحيازها إلى قوى الثورة، حيث أعيد إنتاج خطاب التخوين والشيطنة، لأن النظام النخبوي لا يرى في أي مقاومة سوى تهديد لامتيازاته، مهما كانت وطنية أو عادلة.

إن هذه اللحظة التاريخية الحرجة تُحتّم على قوى التغيير أن تتجاوز الماضي بكل عثراته، وتشرع في بناء دولة جديدة، تستند إلى عقد اجتماعي يعترف بالتعدد ويحترم التنوع، وتستوعب كل مكونات السودان دون تمييز أو إقصاء.

لقد كشفت الحرب الراهنة عن فشل شامل في الأفكار والرؤى والمؤسسات، وأثبتت أن الخروج من هذا النفق المظلم لا يكون إلا بمشروع وطني جديد، يؤسس لدولة حديثة، تُبنى على قيم الحرية والسلام والعدالة، وتضمن العدالة الاجتماعية، وتحقق الكرامة الإنسانية.

إن زمن المركز المحتكر للقرار قد ولى، وما عادت الشعوب تقبل الهيمنة المقنعة تحت شعارات جوفاء. فكما أن الحرب كشفت الزيف، فإن إرادة التغيير الحقيقي هي وحدها التي قادرة على رسم ملامح سودان جديد، يتسع للجميع دون استثناء.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!