رأي

الصفوة المركزية الطاردة والقلم الما زال بلم

خالد فضل

خالد فضل
في مطلع الثمانينات , عند أولى عتبات المرحلة الثانوية بمدرسة حنتوب , كان يسكن معنا في الداخلية بضعة طلاب من الجنوبيين , من أبناء الموظفين الكبار مثل محافظ المديرية أو غيرها من الوظائف العليا في الحكومة . بينما كان جل الطلبة الآخرين قادمين من ريف الجزيرة والمناقل وتخوم الخرطوم , معظمهم أبناء مزارعين وعمال وبعض الموظفين في درجات أقل . مع ذلك لم تشفع الوضعية الطبقية لزملائنا الجنوبيين من السخرية منهم . كانوا يرتدون الأردية والتي شيرت في حين كنا نتجلبب بالعراريق والسراويل . كانوا يغيرون الأكل في السفرة باحضار طعام جاهز من مدني أحيانا بما في ذلك الباسطة . كانوا يتحدثون الإنجليزية بسلاسة وطلاقة لا تتأتي لمعظمنا . مع ذلك , ظلوا مثار سخريتنا في طريقة تحدثهم باللغة العربية , في ملابسهم الفاخرة , وحتى في ما يجلبون من طعام لذيذ نشتهيه ولا نستطيع الحصول عليه . فقط لأنهم جنوبيون . نردد بعض الكلمات كما ينطقونها وكأنها نكتة تثير الضحك , لم نك على وعي بمسألة التعددية كما أنظر إليها اليوم .
صفوة من الأولاد الشطّار في المقررات المدرسية , بما في ذلك بعض الأحاديث النبوية التي اتضح لاحقا أنها مجرد انتحال , أحرزوا مجموع عال تم قبولهم في مدرسة عريقة لا يؤمها إلا المتفوقين . ثم انتشرت هذه الصفوة لاحقا مثل من سبقها وما لحقها من (صفوات) في ميادين الحياة العامة في السودان .
هل حدث تغيير في سلوك ورؤية هذه الصفوة المركزية المتمركزة حول ذاتها الثقافية والدينية والعرقية ؟ الإجابة تأتيك بقراءة أسفار طويلة من مركز الطرد الذي يتحصن بالسلطة ويتقوى بالسلاح , فما من إشهار للمطالب من أي جهة جاء إلاّ وصنّف لحظة ميلاده كمؤامرة عنصرية ضد الوطن ومكتسبات الشعب . بدون تلفت أو إنتباه لمصطلحي الوطن والشعب , وإنْ كانت تلك الأرجاء الواسعة هي من ضمن حدود الوطن , أو هؤلاء الذين يطالبون بأبسط الحقوق _ حقّهم في الحياة _ مكون من مكونات الشعب المزعوم .
تكوّن المركز الطارد من مزدوج (العروبة /الإسلام) , صار معيار الهوية هو ذلك الثنائي , ومورست السياسة وشؤون الحكم على ضوء هذه المسلمة , تارة تعلو هذه وتارة يستغل ذاك , وهي سلطة وحكم شمولي استبدادي في جل سنوات ما بعد الإستقلال . أذكر هنا أنّ زملاءنا الدارفوريين في جامعة جوبا كانوا يقولون لنا نحن ابناء المركز , والله نحن مشكلتنا عويصة , عند الجنوبيين موسومين بالمندكورات وعند المندكورات موسومين بالغرّابة . كانت تلك المفارقة ؛ رغم سياقها الطريف تكشف عن الحقيقة التي يتم غالبا مداراتها بالبلاغة وحسن الحيدث والتذكير بنصوص القرآن وأحاديث النبي , لكن في لحظة الفعل يتم نسيان كل ما تردده الألسن , عندما تقع الواقعة يتم الإصطفاف التلقائي , فلا ينظر إلى إغتصاب الفوراوية من جانب الجعلي إلاّ شرفا لها كما نقل المرحوم الترابي عن رئيس الجمهورية لثلاثين سنة عمر البشير .
لقد انطلى المكر على كثير من أبناء السودان غير العرب وغير المسلمين فباتوا بدون وعي يعبرون عن شخصية افتراضية , يكذبون ويخدعون أنفسهم , حتى وقف متحدث منهم من منتسبي جماعة الإسلام السياسي ذات مؤتمر أقامه الإسلاميون لتعريب وأسلمة التعليم العالي , فخاطب المؤتمر من على منصته بأنّه يؤيد (التأريب والأسلمة ) هذه المرة لم أك لأسخر من الفتي كما عهدي بزملائي ايام الصبا في حنتوب , بل أشفقت عليه من وعثاء ما يعمه فيه من غربة نفسية جعلته ينادي بنداء الصفوة المركزية التي يسعدها حقا أن يولد من رحم الآخر من يمتثل لسطوتها بفخر , تغض الطرف عنه في ذلك المحفل لكنها عند التطبيق , تستخدم مصطلح (مفز) الذي كشف عنه مناوي قبل شهور . وفحواه أنّ المنحدرين من قبائل المساليت والفور والزغاوة لا يحق لهم الترقي في المؤسسات العسكرية والأمنية بما يتجاوز رتبا معينة . أتدرون السبب ؟
تلك هي بنية الصفوة المركزية بثنائية هويتها , لا ترى في غيرها من يستحق أن تكتمل مصفوفة حقوقه كمواطن يحمل الهوية السودانية ذاتها . تلك هي الحقائق الموجعة التي تعلي من العنصر أو الدين فوق حقوق المواطنة , ليستمر النزيف الدموي , وتغور الجراح , وتتعمق الهوة كلما زاد الوعي بالحقوق لدى المهملين من سياقات البناء الوطني الرشيد . هم مرتزقة وتشاديين وعرب شتات أو (نوبا عبيد ) حالما أشهروا بطاقة هويتهم وأعلنوا رفضهم للتمييز البغيض , لكنهم عند الحوبة , عضم ضهر مؤسسات القمع والقهر شريطة ألا يتجاوزوا رتب الصف وما دون . شريطة ألا يفرفروا متسائلين عن دور (الغفارة )وإلا أعتبروا متمردين على مؤسسات الدولة الوطنية جدا جدا جدا . ومن آزر مطالبهم بالإنصاف من عترة المتمركزين هؤلاء وعشائرهم , لابد أنّه آبق , خارج على أعراف القبيلة , ليس في الوسع النظر إلى خياره كانحياز إلى قيمة الإنصاف , ودوننا ما لاقاه نفر كريم من الشماليين في الحركة الشعبية لتحرير السودان من نعوت وتجريم وتخوين , وما يزال الحبل على الجرار .
كتب ذات يوم المرحوم الطيب مصطفى منبها صفوة المركز إلى مؤامرات من هم خارج نطاقهم , نقلا عن بكري ابوبكر في موقع سودانيز أون لاين عندما غطى وقائع ندوة اقامها التجمع الوطني الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية تحدث فيها عبدالعزيز الحلو عن الحركة الشعبية لتحرير السودان ضمن المتحدثين , قال الحلو ضمن ما قال إنّ السودان الجديد مشغول بالعدالة والمساواة في المواطنة , بحيث يصبح عاديا أن تسكن كاكا في الصافية وتشتغل طبيبة في مستشفى بحري وتقود سيارتها مثل سلوى . صاح صاحب الإنتباهة , والصيحة لاحقا , أضبط ! وجدتها وجدتها .. ها هو مشروع السودان الجديد يصرّح على رؤوس الإشهاد بأن تحتل كاكا منزل سلوى في الصافية وتستولي على وظيفتها كطبيبة في مستشفى بحري وتقود سيارتها في شوارع الخرطوم . قبض الرجل الريح في الحقيقة , ونفخ كير البغضاء والعنصرية , وأوغر صدور السودانيين من غير أهله العرب المسلمين الميامين . فهو عالم بتفاصيل تفاصيل مشروع السودان الجديد لكن مهمته في التضليل , ومركزيته الطاردة تصنّف الناس بين غريب ودخيل , متباهيا في لحظات الصفاء بأرومة العباس ونسل القرشيين , كما يفعل تلاميذ له الآن .
كشفت حرب 15أبريل الكثير المثير , بحيث لم تعد للأوهام صولة لمن ينشد الحقيقة . وليس للأحلام الزائفة جولة , لمن يروم المستقبل . فقد تفجّر المركز الصفوي في عمقه المعنوي والمادي , فالحرب الراهنة نشأت أول ما نشأت ليس على شعار الكرامة الوطنية المدعاة , بل إندلع القتال بين فصائل القوة العسكرية الرسمية للدولة نفسها , بين الرئيس ونائبه الأول اللذان احتلا المناصب بالبندقية المتآزرة ضد هتافات الشارع السلمي (حرية سلام وعدالة) . نشبت الحرب لأن الشق الموسوم ب(حمايتي) , حاول تجاوز دوره المرسوم في حماية الإمتياز الصفوي التاريخي , واستغلال ثقافة تسود وسط معظم مكونات مجتمعه تنظر إلى منحدرات البدوي العربي كجذر تفوق على مساكنيه من الرقيق الأشرار . وهي ثقافة تتسق مع تصوّر المركز الصفوي بثنائيته تلك في بنيتها الشعورية , وتلك مدعاة لسهولة التوظيف في تحقيق الأهداف الماكرة لدوام السيطرة والحظوة بالإمتياز المادي والمعنوي . وكانت الثورة الشعبية في مجملها تنادي بسودان جديد .. وبدأ نداء الثورة يثير إهتمام (الغفير ) , فطفق يطرح السؤال , لماذا ولماذا ؟ انتابته ملامح صحوة من الغيبوبة , فكان لابد من تهشيم الرأس .
نعم , باسم القضاء على الزرقة الأنجاس , كانت تجري دعوات التجييش والتمليش , وراسمو الخطة من صفوة المتمركزين يقهقهون يباركون يشيدون ويشونون ويقصفون بالبراميل المفخخة قرى أؤلئك التعساء المساكين ؛ ليجهز على بقيتهم (الجنجويد) , في معارك كرامة الدولة وسيادة شعبها ضد الخونة المأجورين . كيف يستفيق من غفوته الغافي ؟ كانت تلك اللحظة كافية لدق عنقه , وتركيعه خادما للإمتياز , ولا بأس في إقتسام محدود .
انهار مركز الصفوة الطارد , ذابت مؤسسات الدولة المنهارة , وانفرط العقد إلى حبيبات على شكل مليشيات لم تجد الدولة الوطنية _افتراضا_ ما تفعله تجاهها سوى المباركة والتشجيع ولو تدربت وتسلحت في دولة الجوار , هنا لا بأس أن تستعيد صفوة المتمركزين حول الذات الإعتبار لهذه الذات الموهومة , فالسيادة صك خاص , وجاكيتات وربطات عنق متعددة الألوان والمقاسات . فكانت بعض وجوه المواطنين غريبة ؛ رغم أنها كانت قبل برهة مرغوبة . بات التعاون مع من قال لا في لحظة يقظة , جرما شنيعا يستوجب الإعدام رغم أنّ غاليات من متمركزات الصفوة زغردن وهللن وكبرن وأطلقن النعوت السمحة على ذات (أوباش ) اليوم , من مغتصبي حرائر الصفوة المتمركزة حول نقائها الإثني والجهوي وبعض مسوح من إسلام . أ ليس من شرف للمركزية الصفوية إنْ اغتصبها (ماهري) وسيم ؟ أقول بهذا وشخصي يدين منذ أن وعي الحياة العامة كل عنف وقتل وتعذيب وإعتداء وإغتصاب من أي جهة صدر أو تحت أي ذريعة تدّثر وفي كل العهود ومن مختلف الأطراف لا أستثني طرفا ولو دعاة بناء السودان الجديد وعصبة التأسيس . لكن مع ذلك , لابد من مواجهة الإلتواء في منطق من يحاججون بلغة التعاطف الزائف في تقديري مع فواجع لا حصر لها في طول مسيرة الحياة في بلادنا , فلما حلّ البلاء في صحن دارهم طففوا الميزان . ناهيك عمّن ساهم من قبل وشارك نفس الجنجويد المتهومين بالجرائم عندما كانت الإنتهاكات تقع خارج حيّز الدار والأهل , فانقلبوا الآن يجيشون المليشيات ويحشدون الكراهية بدافع العنصرية والجهوية مما هو معلوم في أداء عناصر جماعة الإسلام السياسي في أتون هذه الحرب الضروس .
نعود اليوم إلى واقع جديد , مشروع وطني مغاير مطروح , منشور , وهياكل سلطة مبذولة وبداية تشكيل , أما نزال نولول , يصرخ من يصرخ منّا , بل هو الإنقسام . وماذا نسمي ما تقوده صفوة المتمركزين حول ذواتهم أؤلئك . أهو التوحيد على سنة حرب الكرامة , وترميم البنيان المهترئ بطلاء إعادة الترميم , الآن هناك مساران , إن أحسنت صفوة المتمركزين حول ذاتهم التصرف وغادرت منزلة التشكيك والتوجس وأفردت مناخ النقاش والتجويد والتصويب الند بالند وليس تابع ومتبوع كان ذلك عنوان نضوج وخروج عن النمط المألوف , ما الذي يمنع أن تكون كاكا مثل سلوى كما قال الحلو من قبل ويقول اليوم . أم هي العقبة القديمة تلك التي حدت بكرام الصفوة المركزية وسادتها يطلبون إلى الحاكم العام إلغاء أو تأجيل تنفيذ مرسوم تحرير العبيد بحجة انهيار الموسم الزراعي عماد الإقتصاد الوطني المزعوم , أو بفرضية قصور العبيد عن العيش دون أسياد فتراهم في (الأنادي ) يسكرون ويعربدون . تلك وقائع التاريخ في بلد اسمه السودان يعتبر فيه سواد البشرة عار . يا لعارنا الفكري والمعنوي إنْ لم خرج من قوقعة الذات المتضخمة والأنا المستعلية لنعرف حقّا معنى كلكم لآدم وآدم من تراب , ليس مضمضمة شفاه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!