
مها طبيق – كاتبة صحفية مستقلة
تواجه مناطق تحالف التأسيس في السودان تحديًا كبيرًا ، كيف يمكن تنظيم الحياة العامة وإدارة شؤون الناس في ظل معاناتهم وغياب الدولة ، وانهيار الخدمات ، والفراغ المؤسسي ؟
هذه المناطق ، التي خرجت عن قبضة المركز تمثّل مساحة جغرافية جديدة وفرصة حقيقية لإعادة التفكير في شكل الدولة لبناء نموذج صالح لكل السودان ، وبناء مشروع وطني من القاعدة إلى القمة . لكن النجاح هنا لا يتحقق بالرغبات وحدها ، وإنما يتطلب نموذجًا إداريًا فعّالًا ومؤقتًا ، يمنع تكرار أخطاء الماضي ، ويضع المجتمع في قلب العملية .
الاستفادة من أخطاء الآخرين :
تُظهر تجارب دول عديدة أن غياب نموذج إداري واضح في المناطق الخارجة من الصراع يؤدي إلى نتائج كارثية . ففي الصومال مثلًا ، أدى الفراغ الإداري إلى صعود الجماعات المسلحة . أما في ليبيا ، فقد تسبّب الصراع بين السلطات المحلية والمركزية في تعطيل تقديم الخدمات . وفي البوسنة ، لم تنجح الإدارة الدولية في كسب ثقة السكان رغم إعادة بعض الخدمات . هذه التجارب تبيّن أن الشرعية المجتمعية ، والكفاءة المهنية ، والرقابة التشاركية ، هي عناصر حاسمة لنجاح أي نموذج إداري . لذلك ، لا بد لمناطق تحالف التأسيس من أن تتفادى هذه الأخطاء ، وتؤسس نموذجًا إداريًا ينبع من واقعها ، ويعتمد على مشاركة المجتمع ، لا على الوصاية من فوق .
التحديات القائمة :
رغم ما تحمله مناطق التأسيس من رمزية سياسية ، إلا أن الواقع الإداري فيها هش ومعقّد . فقد أدى النزوح والحرب إلى انهيار الجهاز البيروقراطي وتفكك الخدمة المدنية . كما تعاني هذه المناطق من نقص حاد في الموارد ، وغياب أدوات التخطيط والتنفيذ .
يضاف إلى ذلك تضارب الأدوار بين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية ، وافتقار الكوادر المحلية إلى التدريب والخبرة . وتفاقم الأمور بانعدام قاعدة بيانات دقيقة عن السكان والخدمات ، مما يعيق أي جهود لإعادة البناء والتنظيم .
فرصة لتجريب نموذج جديد :
غياب سلطة المركز وتراجع هيمنة النخب التقليدية يفتح المجال لتجريب شكل جديد من الحوكمة ، يقوم على تفويض السلطة من القاعدة ، لا التعيين من الأعلى ، بالإضافة إلى لامركزية حقيقية في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع ، أضف إلي ذلك إشراك المجتمع المحلي والمنظمات المدنية ذات الجذور المجتمعية الحقيقية ، وكذلك إعادة تعريف الإدارة باعتبارها خدمة مجتمعية، لا أداة سلطة أو نفوذ .
ملامح النموذج الإداري المقترح :
أولا/ مجالس مدنية قاعدية
تُشكّل بالتوافق المحلي أو عبر انتخابات مصغّرة ، وتضم ممثلين من الأحياء ، والنقابات ، والنساء ، والشباب . تُمنح هذه المجالس صلاحيات لإدارة الخدمات الأساسية مثل المياه ، والتعليم ، والصحة ، والأمن المجتمعي .
ثانيا/ تكوين هيئة فنية مستقلة
تتكوّن من كفاءات سودانية مهنية من الداخل والمهجر ، تتولى وضع خطط للاستجابة العاجلة والتنمية المرحلية ، وتلتزم بمعايير واضحة من الشفافية والسلوك المهني ، في إطار زمني محدد .
ثالثا/ عمل شراكات مع منظمات دولية مستقلة ، يُستفاد من هذه المنظمات في الدعم اللوجستي والتمويلي ، لكن تحت رقابة مجتمعية صارمة ، مع الحرص على ألا تتحوّل إلى أدوات نفوذ سياسي لأي جهة .
رابعا/ استخدام أدوات تقنية بسيطة ، تُوظف تطبيقات مفتوحة المصدر لتسجيل السكان ، وتتبع الموارد ، وتعزيز الشفافية ، مما يُسهم في تنظيم العمل الإداري وتقليل فرص الفساد أو التلاعب .
مناطق تحالف التأسيس بجانب كونها أراضٍ خارجة عن سلطة المركز ، تعتبر هي مختبر واقعي لإعادة تعريف الدولة ، من خلال نموذج حكم محلي تشاركي ، ينطلق من المجتمع نفسه ، لكن هذه الفرصة قد تتحول إلى فشل جديد ، كما حدث في بلدان أخرى ، إذا لم يُبنَ النموذج الإداري على أسس مهنية ، وشفافة ، وتشاركية بمساعدة المنظمات الدولية .
الإدارة هي مسألة تنظيمية وأساس العدالة ، ومحور بناء الثقة ، وعمود الدولة التي نحلم بها .




