الشخص الطبيعي يموت مرة واحدة، ولكن الذات العنصرية تموت كلما تتحدث؛ عبدالرحمن عمسيب نموذجًا – الحلقة الثالثة
صالح السليمي

صالح السليمي
في الحلقتين السابقتين، تتبعنا بعمق البنية النفسية والفكرية للذات العنصرية، وحللنا أسباب تشكلها، ثم بيّنا كيف تتحوّل هذه الذات إلى أداة هدم خطيرة تضرب في عمق البناء الوطني والنسيج الاجتماعي. وفي هذه الحلقة الثالثة، ننتقل إلى دراسة أكثر خطورة وتفصيلاً، حيث نسلّط الضوء على ما يمثله المدعو عبدالرحمن عمسيب من تهديد مباشر للأمن القومي السوداني، بوصفه نموذجًا صارخًا لانحرافات الذات العنصرية حين تتغذى على مشاعر الكراهية والعداء للمكون الوطني المشترك.
إن عبدالرحمن عمسيب لا يكتفي بإنتاج خطاب عنصري معزول في إطار ضيق، بل تجاوز ذلك إلى الترويج لخريطة عنصرية متخيلة للسودان، تقوم على فكرة جغرافيا “نقية” ترتكز على ما سماه بـ”النهر والبحر”. وهي خريطة لا تعكس واقع التنوع السوداني، ولا تحترم التعدد الثقافي والاجتماعي والجهوي، بل تقوم صراحة بتفتيت البلاد ومحو وجود مكونات واقاليم أصيلة من نسيج الوطن خرائط البلاد الرسمية، الأمر الذي يشكّل سابقة خطيرة وتجاوزًا فجًّا لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية.
إن التلاعب بخرائط الدول، أو السعي لإعادة ترسيم حدودها خارج الأطر القانونية والدستورية، يُعدّ جريمة تمسّ صميم الأمن القومي. فالدول ليست كيانات عشوائية تُرسم بناءً على أهواء الأفراد أو ضغائنهم، بل هي بنيات قانونية وتاريخية واجتماعية تقوم على سيادة القانون والاعتراف المتبادل بين مكوناتها. ولهذا فإن ما يفعله عمسيب اليوم ــ من نشر لتلك الخرائط المجتزأة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، والترويج لها بوصفها تصورًا لمستقبل السودان ــ لا يُعد فقط تهديدًا رمزيًا، بل يمثل تحريضًا صريحًا على الانقسام الجغرافي والإثني، ويضرب بشكل مباشر ركائز الدولة السودانية الموحدة.
ولعلّ الأسوأ في هذا المشهد، أن هذه الخريطة لا تُطرح بوصفها خيالًا سياسيًا للتداول أو النقاش، بل تُعرض كمشروع حتمي يُبشر به صاحبها علنًا، في محاولة لخلق واقع موازٍ، يُقصى فيه كل من لا ينتمي إلى “المنطقة النقية” وفقًا لتصورات عمسيب المشوهة.
إن مسؤوليتنا الوطنية، في هذه اللحظة، تقتضي التحرك الجاد والواعي لمواجهة هذا الخطر، على مستويين متكاملين:
أولًا: على المستوى الشعبي والإعلامي
يجب أن لا نسمح بتحوّل هذه الخطابات المنحرفة إلى أمر واقع مقبول في الفضاء العام. ومن هنا، ندعو كل الحادبين على الوطن إلى إطلاق حملة وطنية عبر وسائط التواصل الاجتماعي، تُدين هذا الخطاب العنصري، وتُعرّي طبيعته التفكيكية والعدمية، وتُبرز ما يشكله من تهديد مباشر على وحدة البلاد. لا بد من فضح خرافة “النقاء العرقي والجغرافي” التي يروج لها عمسيب، وتفنيدها بالمنطق والتاريخ والجغرافيا والواقع المعاش، لأن استمرار صمتنا سيفسح المجال لمزيد من الأصوات المريضة التي تهدد بتمزيق الوطن.
ثانيًا: على المستوى القانوني والدستوري
إن هذا النوع من السلوكيات ليس مجرد رأي متطرف، بل هو تهديد صريح للأمن القومي يجب أن يواجه بأدوات القانون. ومن هذا المنبر، نناشد كل المحامين الوطنيين ومؤسسات المجتمع المدني المعنية، بأن يضطلعوا بدورهم في تحريك دعاوى قانونية ضد عبدالرحمن عمسيب، بتهم تتعلق بالتحريض على الكراهية، والسعي لتغيير الحدود الجغرافية للدولة، وتهديد السلم الاجتماعي، وهي جرائم منصوص عليها في القانون السوداني بوضوح. إن رفع هذه القضايا لا يمثل استهدافًا لشخص، بل هو دفاع عن الوطن في وجه مشروع تقسيمي يلبس قناع الرأي.
إننا في السودان نمر بلحظة حرجة من تاريخنا، لا نملك فيها ترف التساهل مع المشاريع التخريبية مهما لبست من شعارات. وعلى شعبنا أن يدرك أن الخطر لا يكمن في الرصاص وحده، بل أيضًا في الكلمات التي تنسف الأسس، والخرائط التي تُرسم بخيال مسموم. والشخص الطبيعي قد يموت مرة واحدة، لكن الذات العنصرية تموت في كل مرة تُفتح فيها فمها بالكراهية، وكلما نطقت بفكرة سوداء تنكر التنوع وتُبشّر بالإقصاء.
في الحلقة القادمة، سننتقل إلى استعراض التجربة الرائدة لدولة رواندا، وكيف تعامل شعبها وحكومتها مع العنصرية والكراهية بعد واحدة من أفظع المجازر في العصر الحديث، لنستلهم منها الدروس وسبل المواجهة.




