الدكتور الوليد مادبو: مفكر ومثقف موسوعي امين مع نفسه ؛ يا جبل ما يهزك ريح
د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا

د. فاطمة الزين الغالي – كاليفورنيا
في زمنٍ تهوي فيه القيم كما تتساقط أوراق الخريف، وتترنح فيه المبادئ تحت ثقل الأطماع والمصالح، ينهض الدكتور الوليد آدم مادبو شامخًا كجبلٍ راسخ، لا تزلزله العواصف ولا تنال منه رياح الخديعة. هو المفكر الموسوعي، والمثقف الأمين مع نفسه، والضمير الحي الذي نذر قلمه لوطنه، ينحت به في صخور الحقيقة، فيكشف زيف الحركة الإسلاموية التي أغرقت السودان في وحل الخراب والفساد.
لم يكن إفلاس هذه الحركة وليد يومٍ أو عام، بل هو حصاد عقودٍ من الخديعة السياسية، والنهب الممنهج، والمتاجرة باسم الدين. وقد انكشفت سوءتها حتى غدت كمن يتخبط في ليلٍ بلا نجوم، وآخر فصول هذا العبث ما أقدمت عليه السيدة أميرة قرناص – السفيرة السابقة وزوجة علي كرتي، زعيم الحركة الإسلامية وعرّاب حرب القرن – حين رفعت شكوى واهية ضد الدكتور الوليد مادبو، بزعم “التشهير” عبر مقالٍ أدبي رصين، مسّ جوهر الحقيقة، ووضع إصبعه على جرح السودان النازف.
قرناص – عمداً أو تجاهلاً – أغفلت إرث زوجها المظلم، الذي خطّ فصوله بالدم والنار، وقاد السودان إلى هاوية التشرد والموت. علي كرتي، الذي كان ولا يزال رمزاً للخراب السياسي، لم يترك للبلاد سوى أطلالٍ وأنين. فكيف تستنكر مقالاً ينتصر للحق، بينما لم يزعجها دمار وطن وتشريد شعب بأكمله؟ إن في ذلك مفارقة لا يدركها إلا من عرف أن الشكوى ما هي إلا محاولة لإسكات صوت الحق، وكسر قلمٍ رفض أن يُستأجر.
لكن الوليد مادبو ليس ممن يرهبهم التهديد أو تفتّ في عضدهم المؤامرات. هو جبلٌ لا تنال منه العواصف، وصوتٌ لا يخفت تحت سيوف السلطان. شرب من نبع “سبدو” كرامةً سودانيةً لا تعرف الانحناء، وتوشّح بثوب المثابرة حتى حفظ كتاب الله بعد الأربعين، في وقت كان فيه غيره يعدّ غنائمه من المال الحرام. ان مثل الوليد فينا كمثل نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي وصفه الله بأنه أمة، يجمع الوليد بين عمق النظر، وجرأة الموقف، واتزان الرؤية.
اقتصاديا يعيش الوليد شريفا، يأكل من عمل يده كما كان نبي الله داوود، لم تمتد يده إلى مال الشعب وعرق العمال، ولم يقتات على جوع الأطفال أو يستولي على أكشاك الأرامل، بل عاش على ريع علمه وجهده، مرفوع الرأس، نقي اليدين.
منذ فجر شبابه، تصدى الوليد لأزمات السودان، درس الحوكمة في أرقى معاقلها، وتناول بلا رهبة أو رغبة ممارسات الساسة، كاشفاً تناقضاتهم وزيف شعاراتهم. ولو أنصت القوم لصوته، لما وقعوا في مصيدة الحرب التي جعلت قرناص تقيم دعاواها من قاعات الدوحة المكيّفة بعيدا عن السودان الذي خربوه بايديهم، بينما شعب السودان يرزح تحت النزوح والجراح.
فالتعلم قرناص ومن ورائها ان الوليد مادبو، كالحوت الأزرق لا تهدده الأمواج بالغرق، ولا ترهبه العواصف، بل تهابه وتفسح له المدى، هو صخر السودان الذي قالت فيها الخنساء:
كصخرٍ وأي فتى كصخرٍ ليومِ كريهةٍ وطِعانٍ خلسِ،
وللخصمِ الألدِ إذا تعدّى ليأخذَ حقَّ مظلومٍ بقنسِ.
في زمن الانبطاح أمام سطوة المال والنفوذ، يظل الوليد مادبو نموذجاً للمثقف الذي لا يبدله تهديد ولا تشتريه عطايا السلطان، بل ظل حارس الكلمة، وضمير الوطن، والجبل الشامخ الذي تكسِر على صلابته كل رياح الأكاذيب، وتذوي عند جذوره كل عواصف التآمر.




