رأي

“حلايب… البيع الأخير في سوق الخيانة”

 

عمار سعيد

“وطنٌ يُباع لا يستحق أن يُبنى، وشعبٌ يُهان لا يستحق أن يُنسى” — مقتبس بتصرف عن الأديب الفرنسي ألبير كامو.

لم يكن قرار سلطة بورتسودان بقيادة عبد الفتاح البرهان بسحب الشكوى السودانية حول احتلال مصر لمثلث حلايب، وتسليم السيادة عليه نهائيًا للقاهرة، مجرد خطوة سياسية عابرة، بل هو وصمة عار جديدة في جبين نخبة أدمنت بيع الوطن شبراً شبراً. إنه البيع الأخير في سوق الخيانة، الهدية الأكبر التي تقدمها سلطة انقلابية للنظام المصري منذ أن وقف عبد الناصر على ضفاف النيل ليقص شريط افتتاح السد العالي.

من السد العالي إلى حلايب: خيوط الخيانة الممتدة

منذ ستينيات القرن الماضي، حين قرر الرئيس السوداني الأسبق إبراهيم عبود أن يمنح مصر الضوء الأخضر لبناء السد العالي، على الرغم من إغراقه آلاف الأفدنة من الأراضي السودانية وتشريد سكان حلفا، لم تتوقف موجات التنازل والانبطاح أمام الإرادة المصرية. تبعه البشير، الذي اكتفى بالصمت المريب إزاء احتلال حلايب عام 1995، بل نسج علاقات أمنية واقتصادية جعلت مصر شريكاً في القرار السوداني. واليوم، يكمل البرهان الحلقات الأخيرة من هذا المسلسل البائس، معلناً عن “بيع” حلايب لمصر دون أي تفويض شعبي أو شرعية دستورية.

دعم الانقلابات: سياسة مصرية قديمة

لم تكن مصر يوماً بعيدة عن صحن السياسة السودانية. من انقلاب عبود في 1958، مروراً بانقلاب نميري 1969، وحتى انقلاب البشير 1989، لطالما وجدت الانقلابات العسكرية في السودان من يباركها ويدعمها من القاهرة، حمايةً لمصالحها في مياه النيل والأمن القومي. والبرهان ليس استثناءً، بل حلقة جديدة في سلسلة عملاء نفذوا أجندات مصرية على حساب سيادة السودان.

الحرب الحالية… مشروع تعطيل السودان

بعد أن فشلت القاهرة في وقف تشييد سد النهضة الإثيوبي، كان لا بد من خطة بديلة لتأمين تدفق مياه النيل دون نقصان. وجاءت الحرب الحالية في السودان كهدية مجانية: جيش انقلابي يغرق البلاد في الدم، مدن تُدمر، سكان يُهجّرون، ومشاريع زراعية ومائية تُشل. وكل ذلك يصب في مصلحة مصر، التي تنعم بحصتها الكاملة من النيل، بينما يعطش السودانيون في قراهم ومدنهم.

شعب في حلٍّ من خيانة نخبته

لا سلطة بورتسودان تملك شرعية التنازل، ولا السيسي الانقلابي يملك شرعية الشراء. إنها صفقات بين طغاة ضد شعوبهم، عقود مكتوبة بدم الأبرياء لا بحبر السياسة. قال الأديب البريطاني جورج أورويل: “في زمن الخداع العالمي، قول الحقيقة يصبح عملاً ثورياً”، والحقيقة هنا أن الشعب السوداني في حلّ من كل هذه الهرطقة السياسية، وأن استعادة حلايب ليست خياراً بل واجباً وطنياً
إن حلايب ليست مجرد أرض، بل رمز لكرامة وطن. وكل من باعها أو ساوم عليها، من عبود إلى البشير إلى البرهان، قد كتب اسمه في سجل الخيانة. وستظل ذاكرة السودانيين تحفظ أن مصر لم تكن يوماً جاراً محايداً، بل طرفا مستفيداً من كل انقلاب وكل أزمة، حتى يومنا هذا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!