
إن عملية بناء وتأسيس دولة على أسس جديدة وعادلة ومستدامة تعد من العمليات بالغة التعقيد، لأنها بالطبع ستواجه تحديات وصعوبات متعددة الأوجه، الأمر الذي يستدعي بالضرورة العمل على معالجة والتعاطي مع قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: خلق وبناء وصناعة مؤسسات وأطر تنظيمية فعّالة وقادرة على تبنّي مفهوم الحكم الراشد القائم على أسس الشفافية والمحاسبة والمساءلة، علاوة على تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الاجتماعي، ونشر ثقافة التعايش السلمي والمشاركة السياسية للكيانات الاجتماعية وفق أسس ومعايير مدنية، وتعزيز التنمية الاقتصادية من خلال تحريك الموارد والمقدرات والثروات واستغلالها بشكل يحقق الرفاه الاجتماعي، وذلك من خلال مكافحة الفساد والمحسوبية، هذا بالإضافة إلى القدرة على إدارة التنوع الإثني والتعدد الثقافي.
إن عملية خروج المجتمعات والشعوب من أتون الحروب وركام الصراعات وتأسيس فضاء مدني قائم على نظم قانونية جديدة ستواجه عقبات ليست سهلة، وستكون هناك ثمة دوافع ذاتية وموضوعية لمواجهتها والتغلب عليها؛ منها رغبة هذه الشعوب في التخلص من الظروف التاريخية المثقلة بالظلم والتهميش، والرغبة في الانعتاق من الماضي والهجرة نحو مستقبل تسوده قيم الحرية والسلام والعدالة. ولكن أحيانًا تصطدم هذه الأشواق والتطلعات بأنماط طرائق تفكير وأجهزة مفاهيمية موغلة في التقليدية كالحمية العشائرية والقبلية والإثنية أو الطائفية أو العقائدية الحزبية، علاوة على التضاد الفكري والأيديولوجي. كلها عوامل تنهش من البناء القومي ما لم يتم توظيفها بشكل علمي وممنهج وأخلاقي لصالح مشروع التأسيس.
هنالك نماذج وتجارب لدول تمكنت من تجاوز أزماتها، منها: تشيلي وجنوب إفريقيا وإندونيسيا ورواندا، إذ استطاعت أن تخاطب المستقبل عبر أطر قانونية وإرادة سياسية وعدالة انتقالية عالجت الأخطاء التاريخية ورمّمت ظلامات الماضي، الأمر الذي قاد الشعوب إلى الالتفاف حول المشروع السياسي الجديد القائم على الانتقال من السلطة المركزية القابضة والباطشة إلى التحول الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة أو التوافق والتراضي حول مشروع السلطة، والانتقال من الصراع إلى بناء السلام.
والمطلوب هو بناء هياكل ومؤسسات حكومية تضطلع بمسؤولياتها في توفير وتقديم الخدمات الأساسية والتنموية، علاوة على مناهضة خطابات الكراهية والعنصرية، وتحقيق المصالحات، وتعزيز قيم التعايش السلمي والسلام الاجتماعي، وخلق نظام تعليمي جيد النوعية يركّز على تطوير وتنمية المهارات والمعارف الفنية والتقنية والمهنية المرتبطة باقتصاديات السوق، والاهتمام بالتقنية الحديثة والابتكار، والعمل على تطوير القطاعات الحديثة، وخلق التوازن البيئي، والاهتمام بكل ما من شأنه تعزيز الأوضاع الإنسانية.




