
علي سانتينو
أداء محمد حسن التعايشي القسم الدستوري رئيساً لمجلس وزراء لم يكن حدثاً عابراً في مسار السياسة السودانية، بل هو محطة مفصلية تختبر وعي شعب وإرادته في التحرر من قبضة الاستبداد، التعايشي لم يهبط على المشهد فجأة، بل جاء من معركة طويلة خاضها ضد الدكتاتورية الإسلاموية التي كبّلت السودان ثلاثة عقود بقبضة من حديد، ومنذ الإطاحة بحكومة الثورة ظل الرجل صامداً في خط المواجهة ضد القوى الظلامية التي أعادت إنتاج نفسها عبر انقلاب 25 أكتوبر وصولاً إلى حرب 15 أبريل بقيادة المجرم البرهان وحلفائه الإسلامويين.
اليوم وحين يتولى التعايشي رئاسة حكومة التأسيس فإن التحدي يتجاوز مجرد إدارة دولة مأزومة إلى رهاناً على إنقاذ وطن يتآكله الخراب من كل جانب، وان الشعب السوداني الذي أنهكته ويلات الحروب والفساد لا ينتظر وعوداً فضفاضة ولا خطابات رنانة، بل يطالب بحكومة تنفيذية تضع نصب عينيها خدمة المواطن أولاً، وفي المقابل لا يمكن لأي مشروع خدماتي أن يصمد إذا لم تحسم المعركة الكبرى مع بقايا الحركة الإسلاموية التي لا تزال تسعى لإعادة السودان إلى بيت الطاعة القديم، وهنا تبرز المهمة الثقيلة لحكومة التعايشي، وهي إدارة المعركة على جبهتين في آن واحد، جبهة البناء الداخلي التي تحتاج إلى خطط عملية وانضباط إداري وشفافية صارمة تُقطع أيدي الفساد من جذورها، وجبهة المواجهة مع القوى الإسلاموية المسلحة التي لا تعرف سوى لغة السلاح والانقلابات من جهة، هذه المواجهة لا بد أن تكون شاملة وقانونية وسياسية وأمنية، مع عدم التهاون في تفكيك البنية التي تمد تلك الجماعات بالحياة والمال الفاسد والمنابر المسمومة والتحالفات العسكرية (الانقلابية).!
قد يظن البعض أن الرهان على شخصية واحدة أمر محفوف بالمخاطر، لكن في واقع الأمر ان التعايشي يمثل رمزاً للشباب والثورة أكثر من مجرد رئيس وزراء، وهو ابن التجربة النضالية السودانية، ونتاج معاناة شعب لم يتوقف يوماً عن الحلم بالحرية والعدالة والسلام، ومن هنا فإن نجاح حكومته لن يُقاس فقط بقدرتها على توفير الخدمات، لكن بمدى قدرتها على ضرب جذور الحركة الإسلاموية حتى لا تعود لتخطف الوطن مرة أخرى.
نعم إنها لحظة الحقيقة، لحظة لا تحتمل المساومة ولا أنصاف الحلول، فإما أن يقود التعايشي حكومةً تضع حداً لهيمنة الحركة الإسلاموية وتؤسس فعلياً لدولة القانون، أو أن يجد السودان نفسه عالقاً في الحلقة (الجهنمية) التي استنزفته لعقود، فالشعب السوداني منح ثقته مجدداً في رجل قاوم الاستبداد منذ نعومة أظافره، وعليه أن يثبت أن تلك المقاومة لم تكن عبثاً بل كانت تمهيداً لمسار خلاص وطني شامل.؟
إن حكومة التعايشي اليوم ليست هي مجرد تجربة سياسية جديدة، بل هي امتحان أخير لمدى قدرة السودانيين على هزيمة الاستبداد واستعادة دولتهم، وان أي تهاون في هذه المعركة لن يعني سوى عودة الكابوس الإسلاموي بوجهً أكثر (شراسة).. حيث يبقى المطلوب في هذه المرحلة حسماً لا يعرف التردد ومشروع وطني لا ينكسر أمام التحديات. فقد حانت ساعة الحقيقة أن محمد حسن التعايشي الذي ناهض الظلم لسنوات من شبابه، لم يأتِ إلى الكرسي ليجلس متفرجاً، بل جاء ليقود معركة الخلاص بنفسة، المعركة الراهنة بين الشعب والعصابة الإسلاموية التي خربت كل شيء في هذه البلاد، فلا يصلح معهم حواراً ولا مصالحة، بل يجب أن يُقتلعوا كما يُقتلع السرطان من الجسد. إن الثلاثين عاماً من حكم الإنقاذ كانت كفيلة بفضح حقيقتهم كلصوص يلبسون عباءة الدين، وقتلة يخفون سكاكينهم خلف الشعارات وتجار حرب لا يعيشون إلا على دماء الأبرياء من أهل السودان، جاء انقلاب 25 أكتوبر ليؤكد أن هذه العصابة لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالحرية، بل تؤمن والغدر والانقلابات، حتي أشعلت اخيراً حرب 15 أبريل، حرب الخراب والإبادة، حرب الكيماوي وتشريد الملايين.
حيث لا يفوت على حكومة تأسيس أن الشعب السوداني لم يخرج إلى الشوارع ليُهزم من جديد، ولم يقدم الشهداء ليعود الطغاة بوجه آخر، حيث إننا في لحظة لا تحتمل التردد، فإما أن يُسحق الإسلامويون سحقاً كاملًا أو يُسحق الأمل في هذا الوطن الرائد، فعلى حكومة التعايشي أن تحمل مشعل النار لحرق أوكار الظلام، وأن تكتب بيدٍ من حديد نهاية العصابة المجرمة، عندها يمكن للسودان أن يُولد من جديد حُراً عزيزاً منتصراً.




