
سيبويه يوسف
بعد قراراته الأخيرة القاضية بتشكيل قيادات هيئة الأركان وقادة الأسلحة بما يضمن له سيطرته الكاملة على مفاصل الجيش، وإقصاء كل من يظن أنه قد يشكل خطرًا عليه في المستقبل القريب أو البعيد، بدا أن كشف الإحالات الأخيرة يحمل أكثر من دلالة. فقد تصدّر المشهد جنرالات أُعيدوا للخدمة بعد أن كان البرهان نفسه قد أعفاهم في فترات سابقة.
فعلى سبيل المثال، اللواء نصر الدين، قائد سلاح المدرعات، ذو النزعة الإسلامية، وحاضن لواء “البراء بن مالك” داخل سلاح المدرعات في بداية الحرب، لم يكن انحياز الإسلاميين لقوات المدرعات من دون سواها من مقارّ الجيش إلا مناصرةً لقادة ينتمون للتنظيم ويمنحونهم القدرة على التحكم في مفاصل هذا السلاح. وبالتالي، أصبح سلاح المدرعات حاضنة أولية لتسلل كتائب الإسلاميين واندماجها داخل المؤسسة العسكرية.
ولا ننسى زيارة اللواء نصر الدين الغامضة إلى الدوحة في عزّ الحرب، والتي جرى تفسيرها لاحقًا بأنها زيارة عائلية!
ومهما يكن، فإن البرهان يبدو وكأنه قد اختار أرض معركته، بعد أن استشعر أن المرحلة المقبلة تستوجب التخلّص من الحمولات المزعجة والباهظة الثمن. وفي المقابل، يرى التنظيم الإسلامي أن مرحلة المواجهة تقترب، ولن يستسلموا لمضاعفات المرحلة القادمة، بعد أن وجّهوا غرفهم الإعلامية لتعظيم مشاركتهم القتالية، وكأنهم يقولون: “لولا دماء شهدائنا، لما قام للبرهان قائم”، ولا يزال محاصَرًا داخل القيادة العامة للجيش، وربما لا يجد “السفنجة” التي خرج بها إلى العالم.
لقاء مسعد بولس يفجّر مشهد الحرب
يمكن وصفه بلقاء انفجر كقنبلة في توقيت لم يتوقّعه أحد، بعد فشل انعقاد “الرباعية” في واشنطن، والبيان الغامض الذي لم يُعرف ما إذا كان تأجيلًا أم إلغاءً.
ورغم حرص واشنطن الواضح على سرية اللقاء وإخفاء محاوره، إلا أن عناصر الإسلاميين المزروعة حول البرهان – كما أشار الدكتور عبد الحي يوسف في وقت سابق بأن الحركة الإسلامية تتجول داخل مكتب البرهان – سرعان ما أعلنت عن الزيارة، تمامًا كما حدث في اجتماعات المنامة وتسريباتها، التي أجهضت كل بارقة أمل قد تقود السودان إلى ظلال أكثر أمنًا.
وبعد أن انكشف المستور عن لقاء لم تتضح ملامحه، حاولت الآلة الإعلامية التابعة للبرهان تضليل الرأي العام، عبر تصوير اللقاء كنصر لمعسكر الجيش، وإبراز مخرجات الاجتماع بصورة مجتزأة لتواصل عملية الخداع المنهجي للذاكرة السودانية.
ويجب على البرهان، الذي تعمّد نسيان الحديث عن اجتماع سويسرا حين خاطب الشعب السوداني في عيد الجيش، أن يدرك أن خطابه المتكرر عن “القضاء على قوات الدعم السريع” بات بضاعة كاسدة لن يشتريها أحد.
فراعي الضأن في الخلاء يعلم أن البرهان يعيش حالة من التيه، وينطبق عليه حال الشاعر السوداني الراحل محمد عبد الحي في قوله:
“أنا منكم… تائهٌ عاد يغنّي بلسانٍ، ويصلي بلسان.”
إغراق المشهد في احتفالية الجيش
لم تكن هناك فرصة أكبر من استغلال ذكرى مرور 72 عامًا على إنشاء الجيش – الذي بات يُوصف بـ”المعطوب”، والمتهم الأول في تأجيج كل نكبات السودان، والقائد الفعلي لزعزعة استقراره وعبثه بثوراته.
وبات من الواضح، أيضًا، على أرض المعركة، أن هناك وقائع جديدة تتشكّل بعد الهزائم المتتالية التي تتلقاها المليشيات المتحالفة مع الجيش في محاور كردفان، وغياب أو ذوبان متحرّك “الصياد”.
كل المؤشرات تؤكد على وجود تربّص بالقوة المشتركة، والتشكيك أيضًا في نواياها من قِبل كل المكونات التي صُنعت عمدًا، والتي يُراد الآن طردها أو تحجيم نفوذها في شرق، ووسط، وشمال السودان
البرهان يرقص على موسيقى النهاية
ما يحدث اليوم من تجاذبات ومخاصمات داخل تحالف حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، يشير بوضوح إلى أن البرهان يرقص على إيقاع موسيقى تحمل في داخلها تفاصيل نهايته.
فعندما تتصادم أنسجة حلفائه بحلم والده في أن يصبح حاكمًا مطلقًا لا شريك له، عندها سيتساقط البرهان من برجه العالي، دون أن يأسف عليه أحد.




