
مها طبيق
تعيش حكومة تأسيس لحظة صعبة بعدما تأخر تعيين وزير للخارجية في وقت تتزايد فيه الضغوط الغربية والاتهامات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان ، الأمر الذي فتح الباب أمام أزمة دبلوماسية حقيقية . غياب الصوت الرسمي في الساحة الخارجية جعل الحكومة تبدو وكأنها معزولة أو عاجزة عن الدفاع عن مواقفها ، وهو ما قد يقود إلى عقوبات أو تضييق اقتصادي ، كما قد يسمح لمنافسيها وفي مقدمتهم حكومة بورتسودان بملء الفراغ وتقديم روايتهم إلى المجتمع الدولي دون مواجهة جادة .
ورغم هذا الضعف ، تمتلك حكومة تأسيس أوراق قوة مهمة إذا أحسنت استثمارها ، فهي تسيطر على معظم صادرات السودان من الصمغ العربي والفول السوداني والثروة الحيوانية والذهب ، وهذه موارد ترتبط بها صناعات وحاجات دولية واسعة من الغذاء والدواء وحتى النقد الأجنبي . إذا ما أعادت الحكومة بناء قنواتها الدبلوماسية ، يمكنها تحويل هذه الموارد إلى شبكة مصالح مع دول الجوار والاقليم مما يجعل هذه الدول أكثر حرصاً على دعمها أو على الأقل عدم الوقوف ضدها في مواجهة الضغوط الغربية .
في المقابل ، تبدو حكومة بورتسودان محاطة بثغرات واضحة ، فهي تواجه انتقادات أممية بسبب إنتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان ومؤخرا قامت بمنع بعثة الأمم المتحدة من التحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيماوية ، وتعاني من ضعف اقتصادي وفشل في السيطرة على الموارد مقارنة بتأسيس ، إضافة إلى خلافات داخلية تجعلها غير قادرة على تقديم خطاب موحد للخارج . هذه العوامل تمنح تأسيس فرصة لطرح نفسها كبديل أكثر قدرة على حفظ الاستقرار إذا ما تحركت بذكاء .
الخطوات العملية تبدأ بتعيين وزير خارجية يتمتع بالكفاءة السياسية والقدرة على التفاوض ، ثم إطلاق دبلوماسية اقتصادية تستند إلى اتفاقيات تجارة إقليمية تعزز تدفق السلع السودانية الحيوية وتخلق مصالح مباشرة مع دول الجوار ، إلى جانب الاستفادة من التناقضات الدولية عبر تسليط الضوء على الاتهامات الموجهة لبورتسودان في ملف حقوق الإنسان . ويمكن لتأسيس أن تستعين ببيوت خبرة عالمية في مجال العلاقات العامة وصناعة الصورة لتوصيل صوتها إلى مراكز القرار الغربية وإلى المنظمات الدولية ، بما في ذلك إعداد حملات ضغط مهنية تستهدف البرلمانات والإعلام والرأي العام الغربي . كما أن فتح هامش للتعاون مع بعض الجهات الإنسانية أو السماح بمراقبة محدودة لبعض الملفات الحقوقية قد يساهم في تحسين الصورة دون تقديم تنازلات سياسية جوهرية .
بهذه الطريقة يمكن لحكومة تأسيس أن تحول مواردها الاقتصادية وموقعها السياسي إلى أدوات ضغط إيجابية تعيد لها الحضور الدولي وتمنحها سنداً إقليمياً ودولياً ، بينما يبقى الخطر الأكبر ماثلاً في استمرار الفراغ الدبلوماسي الذي قد يضاعف عزلتها ويفقدها القدرة على الاستفادة من كل هذه الأوراق .
مها الهادي طبيق
29 أغسطس 2025
mahatebig@gmail.com



