كميل في المستشفى.. دبلوماسية غرف الإنعاش البورتكيزانية

علي سانتيتو
وفي زمان صارت فيه السياسة عندنا أقرب إلى فصول الكوميديا السوداء، خرج علينا رئيس وزراء سلطة بورتسودان، دكتور عوقه كامل الطيب إدريس، بملهاة جديدة للشعب السوداني، تصلح لأن تُعرض في مسرحية من ثلاثة فصول: الوصول المهيب، الإنتظار الطويل، ثم خروج مريض إلى مرافقيه والمنتظرين على الابواب، من شالكة عرب الجزيرة الذين تميزوا بالصبر والحنية.
فالرجل شد الرحال إلى السعودية وكأنه ذاهب لموعد تاريخي مع ولي العهد، لكن ويا للعجب، فقد وجد نفسه نزيل فندق خمسة نجوم لأسبوع كامل، ينتظر كمن ينتظر جودو في المسرحية الشهيرة، الفارق أن (جودو) لم يأتِ، ولم يبعث حتى برسالة اعتذار.!
المشهد أشبه بكوميديا من الطراز الثقيل، رئيس وزراء ينتظر مقابلة لم تُدرج أصلًا في بروتوكولات الديوان الملكي المضيف، ثم تأتي الرسالة السعودية واضحة وصريحة شكراً على زيارتكم، ونعتذر لعدم وجود وقت الآن. عُد إلى بلدك، وربما نضعك في جدولنا المزدحم لاحقاً. أيُّ إهانة أبلغ من هذه ياسودانيون؟
ولأن المصائب لا تأتي فرادى، فقد أصيب الرجل بوعكة صحية أدخلته مستشفى الملك فيصل بالرياض، وهنا تكتمل الملهاة، رئيس وزراء يذهب متحمساً إلى بلد، ثم يخرج منها منهك الجسد ومُحطم الآمال، ربما لو كانت الرحلة سياحية لعاد بذكريات وصور تغطي الجدارن، أما وقد كانت الزيارة رسمية، كيف عاد منها بفراغ وسمعة سياسية مثقوبة.
أما في الداخل، فقد تحوّل الموقف إلى مادة هزيلة للتندر، غضب برهاني، ثم إن مجموعة بورتكيزان نفسها بدأت مرحلة الضحك السياسي من الرجل. تخيلوا حتى الأصدقاء الذين جاؤوا به صاروا أول من يسخر من قدراته، فالسياسة في هذه البلد لا ترحم، هي مثل جمهور كرة القدم، يصفق للاعب إذا سجل هدفاً، ويرجمه بالحجارة إذا أضع ركلة جزاء.!
لكن لنضع النقاط على الحروف، المشكلة ليست في إسهال رئيس الوزراء، ولا في أسبوع الانتظار الفندقي الذي قضاه بالرياض، بل في العقلية التي تدير الشأن الخارجي في السودان على مدى سبعين عاماً. الدبلوماسيه السودانية صارت تُدار وكأنها رحلات حج وعمرة بلا تخطيط ولا بروتوكولات، والنتيجة أن المسؤولين يعودون بالخفيّين، ثم يتبادلون الأعذار في الإعلام.
في هذه الحادثة الغريبة جداً لرئيس وزراء خرج من الإنعاش إلى فضاء التصريحات الإعلامية الضلالية، حيث تبقى الحلول بسيطة حتى يدرك السودانيين عمق الكارثة. الحقيقة يجب إيقاف دبلوماسية بالصدفة فالدولة التي لا تُرتب زياراتها عليها أن تبقى في مكانها حتى تعرف كيف تدار الدبلوماسية. وان المسؤول الذي يحرج بلده خارجياً، ليس مكانه القصور الملكية في الرياض وانما قاعة المحاسبة، وعلى سلطة بورتسودان الكيزانية ادراك أن السياسة ليست رحلة ترفيه او انتظار في بهو الفنادق، بل هي علم وفن يُبنى على احترام الذات قبل انتظار احترام الآخرين.
إن قصة مكوث العوقه كميل في الرياض ليست حادثة عابرة، بل هي مرآة لواقع بائس ومحرج. فإذا استمر الحال على هذا النحو، فسنرى مسؤولين آخرين يجوبون العواصم كالسياح الضائعين، يبحثون عن صور تذكارية بدلًا من اتفاقيات حقيقية يتم التوقيع عليها.
والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه اللحظة، كم مرة سنكرر هذه المسرحية الضاحكة حتى نفهم أن الدول لا تُدار بالهواية؟ أم أن سياستنا الخارجية ستظل مجرد عرض ساخر طويل الأمد، نهايته دائماً واحدة، هي العودة الخائبه، ومعها وصفة طبية.



