رأي

السودان بين إرث الهيمنة وضرورة التأسيس

نجم الدين دريسة

إذا تأمّلنا مليًّا في مقولة القائد الأفريقي الملهم توماس سنكارا: “الاستقلال لا يُمنَح بل يُنتَزع”، فإننا نكتشف ـ نحن السودانيين ـ أننا لم ننل بعد استقلالنا الحقيقي. فالتاريخ الحديث للسودان، منذ عهد الاحتلال البريطاني، مرورًا بخدمة المنتفعين الذين مارسوا التماهي مع المستعمِر بأبشع صوره، يكشف بوضوح طبيعة التبعية التي ظلّت تتحكم في مفاصل الدولة.

لقد نشأت معظم مؤسسات الدولة الحديثة في السودان كأدوات استعمارية بواجهة وطنية. فالجيش الذي يُعرف اليوم بـ”القوات المسلحة” تأسس عام 1925 تحت مسمى “قوة دفاع السودان”، بينما لم تكن الأحزاب التي ادّعت مناهضة الاستعمار سوى امتدادٍ له، تؤدي أدوارًا محددة بعناية، بما في ذلك تلك التي رفعت شعارات المقاومة.

إن هذه البُنى الاستعمارية حافظت على نفس الذهنية التي حكمت البلاد لعقود، تحت ظل جيشٍ تأسس لخدمة المستعمِر، ومؤسسات تشكلت لضمان استمرار الهيمنة. وبالتالي، فإن ما سُمي بـ”الاستقلال” لم يكن سوى إعادة إنتاج للاحتلال بثوب محلي؛ إذ تسلقت بعض النخب على أكتاف المستعمِر، فكوفئت بما عُرف لاحقًا بـ”السودنة”، التي تم من خلالها إنشاء دولة مركزية قابضة، خنقت الأطراف ومارست عليها القهر والتضليل عبر أدوات بروباغندا محكمة.

لقد خُدعت السلطات التقليدية في الأقاليم بدايةً، قبل أن تدرك، بعد فوات الأوان، حجم المؤامرة التي حيكت ضد مجتمعاتها. ومع ذلك، أعادت تموضعها لتقف إلى جانب شعوبها، بعدما تكشّفت لها طبيعة الدولة التي لم تكن سوى واجهة محلية لحكم استعماري ممتد. وظلّت هذه الدولة تستعمر المجتمعات الهامشية، وتستنزف مواردها الاقتصادية والزراعية والرعوية، لتحوّل فوائض القيمة إلى خزائن أقلية أوليغارشية حاكمة، مارست القمع والتهميش والتجهيل لعقود طويلة.

وما زاد المشهد قتامة، أن العقلية المركزية لا تزال تمارس ذات النهج، حتى بعد اندلاع الحرب الأخيرة التي فجّرتها جماعة الهوس الديني، مدعومة بتحالفات القوى التقليدية والردة. فقد تصاعد خطاب الكراهية، وتكثفت الدعاية السوداء عبر أدوات إعلامية مشبوهة، خُلقت خصيصًا لخدمة أجندات الهيمنة والانقسام.

لكن هذه الأكاذيب لم تعد تنطلي على شعوب الهامش، التي كوّنت وعيًا جمعيًا متقدمًا، كشف أساليب المركز في التزييف. ولم تعد مناهج غسل الأدمغة تجد موطئ قدم في وعي الأجيال الجديدة التي تسعى للخلاص الحقيقي.

من هنا، فإن تفكيك الدولة المركزية القابضة لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة ملحة. كما بات من الضروري تفكيك التحالفات التاريخية التي كرّست الهيمنة، والعمل على بناء دولة سودانية جديدة، قائمة على أسس العدالة والمساواة والاستدامة.

فمشروع التأسيس الوطني الجديد لا يقتصر على إصلاح البنى السياسية أو استدعاء مفاهيم الدولة الحديثة كالمواطنة، والعلمانية، والفيدرالية، والعدالة الانتقالية، بل يتطلب عدالة ترميمية شاملة، تعيد لُحمة المجتمع، وتؤسس لعقد اجتماعي جديد، قوامه المصالحة، والتعايش، ورفض العنصرية، والاعتراف بالتنوع كركيزة لوحدة البلاد.

إن “تحالف التأسيس” يجب أن يرسم خارطة طريق لسلام عادل وشامل، وتحول ديمقراطي حقيقي، يؤسس لدولة تنبع من رحم الشعوب لا من إرث النخب. فالمهمة صعبة، والطريق طويل، ولكنه ليس مستحيلًا.

إننا أمام فرصة تاريخية لبناء وطن جديد، من ركام الحروب، وطن يعترف بالاختلاف، وينهض بالعدالة، ويكسر القيود التي كبّلتنا قرنًا من الزمان. غير أن هذا الطريق لا يُعبَّد بالشعارات، بل يتطلب وعيًا جماعيًا يتجاوز الانتماءات الضيقة، ويؤمن بأن السودان، بكل شعوبه وثقافاته، يستحق مستقبلًا أفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!