
علي سانتينو
في السودان الكبير لم يعد الموت هو المأساة الانسانية لوحدها، لكن هناك مادة للانتقاء السياسي والتمييز، حربٌ تلتهم المدن والقرى وكل الحياة، لكن ضجيجها الإعلامي لا يشتعل إلا لخدمة اغراض بعينها، والآن مع حادثة قصف مسجد في عاصمة دارفور الفاشر، جعلة إعلام الفلول وفلنقاوياتهم مادة سهلة للصراخ والبكاء، وكأنهم اكتشفوا فجأة أنّ الحرب لا تعرف حُرمة لمساجد ولا أسواق ولا اندية رياضية.
في الأسافير السودانية هذه الأيام لا تسمع سوى نحيب جماعي من إعلام الفلول وفلنقايات دارفور، كأنهم عرفوا لتوهم أنّ الحرب ليست رحلة صيد، الحكاية بدأت مع حادثة قصف احد المساجد في الفاشر، حيث قُتل جمع غفير من المستنفرين الاسلاميين وضباط المشتركة من بينهم ملك زغاوة حداحيد طاهر شريف، حيث كانوا في اجتماع حرب أكثر من كونهم في صلاة جماعة، لكن الضجة أخذت طابعاً مأساوياً مبالغاً فيه، حتى حسبتَ أن الملائكة نزلت تُحصي عدد الضحايا بالدموع والاكفان.
لكن السؤال البسيط لماذا هذا الضجيج كله، هل مسجد الفاشر هو أول مسجد يُقصف في حرب السودان، ألم تُحرق أسواق بأكملها فوق رؤوس المدنيين؟ ألم تُقصف قرى في الجزيرة وكردفان ودارفور نفسها، حتى صارت رمادًا تاخذه الرياح.؟ ألم يهرس الطيران سوق طُرة الشعبي ويقتل المئات من النساء والاطفال تجاوز عددهم 500 فرد.؟ ألم تتفحم جثث الباعة في سوق غندهار أمدرمان، وقتها لم يجرؤ إعلام الفلنقاويات على كتابة سطر واحد للادانه او الشجب البسيط.
نحن نستغرب أنّ ما لا يزرف دمعة في الحصاحيصا ولا في قرية كومه شمال دارفور التي حطمتها طيران الجيش بالكيماوي باكثر من 150 طلعة جوية، ولا مدنية مليط التي مزقها طيرن الفلول ومسيراته دون سبب، كيف له ان يفجّر ينابيع الحزن في الفاشر فجأ’؟ هل لأنّ القتلى هذه المرة من الزغاوة، المكوّن الذي يقاتل في صفوف جيش الفلول والحركة الإسلامية الإرهابية، هكذا ببساطة صار الموت درجات، والدم فئات، والشهداء بالمزاج السياسي.
ان المسجد الذي بكاه الفلقناويات بحرقة شديده، لم يكن بيتًا لله بالمعنى الروحاني، بل هو غرفة لإدارة العمليات العسكرية ومشفى ميداني لمعالجة جرحى الحرب، أي أنّ من يقصفه لا يفرّق كثيراً بينه وبين معسكر تدريب أو مركز قيادة، لكن إعلام الفلول يريد تحويل المكان إلى كعبة مقدسة هبطت عليها نار السماء، بينما دماء المدنيين في أماكن أخرى تُعتبر أضراراً جانبية !
المضحك المبكي أنّ الفلنقاويات لا يتذكرون أنّ حرب السودان منذ عامين أكلت الأخضر واليابس وقضت على كل شي، حيث لم تترك مساجداً قائم ولا أسواقاً عامراً ولا قرى نضيره إلا وجعلتها حطاماً، لكنهم وجدوا قضية يرفعونها راية فوق رؤوس الجميع، لا لوقف الحرب ولا لنصرة الأبرياء، وجدوها استثمار سياسي رخيص في دماء مقاتلين وجنود كانوا في الأصل أدوات حربهم ووقود مصالحهم الضيقة.
إنّ الصياح الحالي ليس إلا محاولة جديدة لصناعة المظالم في بكائية إعلامية تخدم أجندة الحركة الإسلامية التي تبحث دائماً عن دماء مختارة تبني عليها دعايتها الحربية، أما دماء الآخرين فمجرد أرقام تُرمى في هوامش الأخبار والبيانات. الحقيقة أنّ هذه الحرب لا تعرف خياراً وفقوساً كما يقول المثل الشعبي الشائع، ولا تميّز بين ميت ومقتول، الموت واحد، والمأساة واحدة، والناجون هم وحدهم من يبرعون في صناعة الأكاذيب وتوزيع الأدوار وتلفيق الظلم. أما الضحايا، فهم متساوون تحت التراب وفوق التراب، سواء قُتلوا في مسجد الفاشر أو في سوق طُرة أو في أزقة الحصاحيصا او في سهول الكومة.
وفي النهاية، سيظل إعلام الفلول والفلنقاويات يصرخ بالنواح، ويملأ الفضاء بالعويل الانتقائي والاثني، بينما الحقيقة الصلبة تقول، ان الحرب مستمرة سواءً اكانت بمسيرات قوات الدعم السريع او بطائرات اسرائيل، ولا قداسة لموتى دون موتى، ولا بطولة في تحويل المأساة إلى مسرحية دعائية. الموتى لا يحتاجون إلى بكاء الفلول وادباعهم، بل إلى وقف الحرب نفسها بشكل نهائي ودائم جعل السودان بلداً مستقراً، ليس على شاكلة ضرب الوحدة السودانية لخلق سيناريو جنوب جديد، وهذا ما لا يجرؤ فلنقاويات دارفور على المطالبة به، لأنهم ببساطة جزء من آله الحرب لا ضحاياها كما في جبال النوبة والنيل الازرق.



