رأي

سلسلة كشف المستور (3) عقدة النخبة – “الأفندي المخصي سياسياً اغتيال “المارد الأخضر”: لماذا حقد (الأفندي) على مشروع الجزيرة وحوله إلى مقبرة؟

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

 مجدي محمد مصطفى ماكن

في المقال السابق، تحدثنا عن كيف سرق “الأفندي” قيمة العملة الوطنية. اليوم، سنقف على قبر أكبر ضحايا هذا السقوط. سنفتح ملف الجريمة الاقتصادية الأبشع في تاريخ السودان الحديث: اغتيال مشروع الجزيرة.

لم يكن مشروع الجزيرة مجرد مزرعة كبيرة؛ كان هو “السودان” في أفضل حالاته الممكنة. كان دليلاً حياً على أننا قادرون على إطعام أنفسنا والعالم. لكن “عقلية الأفندي” الطفيلية، التي لا تجيد سوى الاستهلاك، لم تحتمل وجود هذا “المارد المنتج” بجوارها، فتآمرت عليه وقتلته بدم بارد.

تشريح الضحية: ماذا كان “المارد الأخضر”؟

للأجيال الجديدة التي فتحت أعينها على الخراب، يجب أن نحكي لكم ما الذي ورثناه وأضعناه. مشروع الجزيرة والمناقل لم يكن له مثيل في العالم. نتحدث عن 2.2 مليون فدان مروية انسيابياً “بالراحة” من النيل الأزرق. كانت أكبر مزرعة في العالم تحت إدارة واحدة.

كان هذا المشروع هو “العمود الفقري” الحقيقي للاقتصاد. كان ينتج “الذهب الأبيض” القطن طويل التيلة الذي تتخاطفه مصانع النسيج في ل Lancashire ببريطانيا قبل أن يزرع.

كان هو المصدر الأول للعملة الصعبة التي مولت بناء الدولة، ومولت التعليم والصحة لعقود.

كان يضم أكبر شبكة “سكة حديد” زراعية في أفريقيا لنقل المحاصيل، وأضخم ورش هندسة زراعية، ومحالج عملاقة ماركة (بلات)، ومراكز أبحاث متطورة. كان دولة داخل الدولة، وكان المزارع في الجزيرة “سيداً” في أرضه، عزيزاً بإنتاجه.

دافع الجريمة: لماذا كرهوا “الإنتاج”؟

السؤال المحير: لماذا تدمر دولة عاقلة مصدر رزقها الأول؟ الإجابة تكمن في “علم النفس السياسي” للأفندي (خاصة في نسخته الإسلاموية الإنقاذية التي هي أسوأ تمثيل لهذه الطبقة). الأفندي كائن “طفيلي” يعيش على الريع والعمولات. وجود مشروع إنتاجي ضخم، يديره مزارعون مستقلون، ويمتلكون نقابة قوية (اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل)، كان يمثل “تهديداً سياسياً” لسلطة المركز. الأفندي يريد شعباً “مدجناً” ينتظر الراتب أو المعونة، لا شعباً “منتجاً” يملك قراره الاقتصادي. لذلك، كان القرار الاستراتيجي هو: تفكيك هذا المارد. تحويله من قلعة للإنتاج إلى “خرابة”، لكي يسهل السيطرة على إنسان المنطقة، ولكي يتم استبدال “زراعة القطن” بـ “مافيا استيراد القمح والدقيق” التي يديرها تجارهم في الخرطوم.

أداة الجريمة: قانون 2005 ومذبحة الأصول

لم يمت المشروع ميتة طبيعية، بل تم خنقه عبر خطوات ممنهجة، كانت أبرزها “قانون مشروع الجزيرة لعام 2005” سيئ السمعة. هذا القانون كان “شهادة وفاة” رسمية.

تحت ستار “الخصخصة” و”التحديث”،قامت مافيا الأفندية بأكبر عملية “نهب مسلح” لأصول الدولة.

سرقة الهندسة الزراعية: تم بيع أضخم أسطول آليات زراعية في أفريقيا كـ “خردة” وبثمن بخس لمحاسيب النظام، ليعاد تأجيرها للمزارع بأسعار فلكية.

تفكيك السكة حديد: تم تقطيع قضبان السكة حديد التي كانت تنقل القطن وبيعها كحديد خردة. تخيلوا! يبيعون شريان الحياة ليقبضوا ثمن الحديد!

تدمير المحالج: بيعت المحالج التاريخية وتم تشريد آلاف العمال والمهندسين والفنيين المهرة الذين كانوا يمثلون الذاكرة التقنية للمشروع.

تحول الأفندي من “مدير دولة” إلى “تاجر خردة”، يفكك مؤسسات بلاده ويبيعها قطعة قطعة.

مسرح الجريمة اليوم: من “سلة غذاء” إلى “بؤرة سرطان”

ماذا كانت النتيجة؟ انظروا إلى الجزيرة اليوم. تحولت الحقول الخضراء إلى أراضٍ بور، أو “بورصة” للمضاربات العقارية. المزارع الذي كان يطعم السودان، أصبح ملاحقاً بالديون “الإعسار” ويدخل السجون. والأخطر من ذلك، عندما توقف المشروع عن استخدام التقنيات الحديثة، أغرقت مافيا الاستيراد (تجار المركز) السوق بمبيدات وأسمدة فاسدة ومسرطنة. النتيجة؟ تحولت ولاية الجزيرة إلى أعلى ولايات السودان في معدلات الإصابة بالسرطان والفشل الكلوي. الأفندي لم يفقرهم فقط، بل سمم أرضهم وأجسادهم ليراكم ثروته.

الخلاصة: لا يؤتمن الذئب على الغنم

جريمة اغتيال مشروع الجزيرة هي الدليل القاطع على أن “الأفندي” هو العدو الأول للإنتاج في السودان. هو لا يستطيع أن يبني، هو فقط يجيد “الحلب” حتى يجف الضرع، ثم يذبح البقرة ليبيع لحمها، ثم يبيع عظمها كخردة.

إن أي حديث عن “سودان جديد” أو مستقبل واعد، دون استعادة هذا المشروع ومحاكمة من دمروه، هو ذر للرماد في العيون. هذه الأرض الطيبة لا يمكن أن تزدهر طالما يديرها هؤلاء “القتلة الاقتصاديون”. المعركة ليست سياسية فقط، إنها معركة استرداد “حقوق المنتج السوداني” من براثن الطفيليين.

#الأبارتهايد_المنقب

#اغتيال_مشروع_الجزيرة

جرائم_الأفندية_الاقتصادية

المقال القادم

سينقلنا من الوسط إلى الهامش، لنكشف كيف دمر الأفندي عمداً المشاريع الصناعية في الجنوب والغرب (مصنع أنزارا ومصنع بابنوسة) ليبقى الهامش مجرد “مستعمرة” للمواد الخام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!