رأي

ملحمة الفلنقاي السعيد : الماظ كيف إلى وحدة قياس للفلقنة

عمار نجم الدين

 

عمار نجم الدين

الخرطوم 1924م

كان الليل يغطي المدينة، لكن صوت المدافع أضاء سماء الخرطوم. في قلب المعركة وقف عبد الفضيل الماظ، جسده يترنح تحت زخات الرصاص، وعيناه تحدّقان في العدو بلا خوف. مدفع “الماكسيم” في يديه صار كأنه امتداد لروحه؛ يطلق الرصاص حتى آخر نفس، وحتى آخر قطرة دم. سقط البطل، لكن سقطته لم تكن هزيمة؛ كانت إعلان ميلاد فكرة، أن الهامش يمكن أن يقف في وجه المستعمر والمركز معاً.

حفيده إبراهيم الماظ لم يحمل المدفع ضد الاستعمار، بل حمل بندقية المركز ضد أهله. سقطت البطولة من يده، وتحوّل الدم الذي سال في الخرطوم يوماً إلى “وحدة قياس للفلنقة”. المفارقة الدرامية صارت كاملة: جد يموت شامخاً، وحفيد ينحني حتى الأرض

في بداية التسعينات ظهر إبراهيم الماظ في صفوف “المجاهدين” الإسلاميين، جنباً إلى جنب مع أخيه علي عبد الفتاح ورفاقهم من آلة المشروع الحضاري. شارك في حرب الجنوب، وساهم في الإبادة الجماعية ضد الجنوبيين، ضد أهله ودمه هو نفسه. وهنا المفارقة الكبرى: حفيد بطل وطني قُتل في مواجهة الاستعمار، تحوّل إلى جندي في خدمة مشروع الإبادة الذي سحق أهله، كأنما قدره أن يوجّه بندقيته نحو دمائه هو، لا نحو المستعمر. إنها الخيانة الأولى: خيانة الدم.

بعد انفصال الجنوب، الحكومة المركزية سحبت جنسية آلاف الجنوبيين الذين عاشوا في الشمال عقود طويلة، ووجدوا أنفسهم فجأة بلا وطن. إبراهيم الماظ كان واحداً من هؤلاء. صار “أجنبياً” في بلد قاتل جده من أجل استقلاله، وبقرار إداري بارد صار خارج الدائرة الوطنية. المفارقة أنه ظل في السجون السودانية باعتباره خصماً، وكأن فقدان الجنسية لم يشفع له، ثم عاد لاحقاً ليقاتل مع الجيش الذي بناه المستعمر الإنجليزي وسهر على حمايته “سادة” السودان الذين وصفوا جده ورفاقه بأنهم “منبتين عرقياً”. وهنا تتضح المأساة: حفيد البطل أصبح جندياً لدى نفس المنظومة التي أهانت ذاكرة جده.

وعندما جاءت ثورة ديسمبر وأخرجته من السجن في 2019، كان المتوقع أن يقف وفياً للثوار الذين فتحوا له أبواب الحرية. لكنه اختار العكس: انحاز لانقلاب عسكري ضدهم، وأدار ظهره للشباب الذين خاطروا بحياتهم من أجل العدالة. خان الثورة مرتين: الأولى وهو يحمل البندقية مع الحركة الإسلامية ضد أبناء وطنه، والثانية وهو يطعن ظهر الثورة التي أعادت له الحياة والحرية. إنها فلنقة مزدوجة، لا تخطئها عين التاريخ.

ولو كان للزلازل مقياس رختر، فللفلنقة يجب أن يكون عندنا “مقياس الماظ”. أقل درجة فلنقة = 1 إبراهيم الماظ، وهي الحد الأدنى لأي سلوك متهافت. أما أعلى درجة فلنقة = 10 إبراهيم الماظ، وهي الفلنقة في أقصى صورها: الانبطاح التام، والخدمة العمياء للجلاد. وبين الواحد والعشرة، نقيس كل فلنقاي في الساحة السياسية السودانية: من الفلنقاي العادي (3 الماظ ) إلى الفلنقاي المحترف (7 الماظ )، وصولاً إلى الفلنقاي برو ماكس (10/10 الماظ كامل الدسم). هذا المقياس الساخر قد يكون أصدق من كل معاجم السياسة.

المسألة أعمق من مجرد سخرية شخصية، إنها تعكس البنية نفسها: الاستعمار الداخلي الذي ظل منذ 1924 يتعامل مع أبطال الثورة كـ”منبتين” لأنه لا يرى فيهم سوى غرباء عن السلطة. إبراهيم الماظ يعيد إنتاج هذا الاستعمار الداخلي بخطابه ضد “الأجانب والمرتزقة”، وهو نفسه من جرّدوه من الجنسية وجعلوه “أجنبياً” في وطنه. التناقض التاريخي يزداد وضوحاً حين نتذكر أن الجد قُتل وهو يقاتل المركز وتحالفه مع المستعمر؛ بينما الحفيد يخدم نفس المركز ويتحالف مع نفس التيارات التي خانت ثورة جده، في مشهد يختصر عبثية التاريخ السوداني. هذه الحالة تكشف عن أزمة الهوية التي يصنعها المركز؛ حيث يتم تحويل أبناء الهامش إلى أدوات ضد أنفسهم، عبر آليات الإقصاء والإذلال السياسي، حتى يصبحوا مجرد أدوات لضرب ثوراتهم.

عبد الفضيل الماظ مات بطلاً في معركة، وعبيد حاج الأمين ظل رمزاً للوفاء الوطني. إبراهيم الماظ، بالمقابل، صار الفلنقاي برو ماكس: وحدة قياس للانبطاح، مقياس عالمي لمدى قدرة الإنسان على خدمة مضطهديه، وهو يبتسم وكأنه لا يرى التناقض. ولو عاش عبد الفضيل الماظ ليرى حفيده، ربما كان سيضحك بمرارة مدفع الإنجليز لم يهدينى لكن فلقنة حفيدي هي التي هزتني )).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!