
مني عبدالله دلدوم
ظل مفهوم “السودان الجديد” شعاراً ملهماً لجيل كامل من السودانيين الذين حلموا بوطن يتجاوز أزماته التاريخية من حروب، وانقسامات، وتهميش. ومع مرور الوقت، ومع أن الكثيرين لم يعودوا أطفالاً ينسجون أحلاماً وردية، يبقى السؤال قائماً: هل تحقق هذا الحلم أم أنه ما يزال بعيد المنال؟
إذا نظرنا إلى الواقع السياسي والاجتماعي، نجد أن السودان ما زال أسير دوامة النزاعات. فالعنصرية والجهوية، اللتان كان يفترض أن تضعف مع مرور الزمن، ما زالتا حاضرتين بقوة في المشهد. بدلاً من أن تكون التعددية الثقافية والعرقية مصدر قوة وغنى، تحولت في أحيان كثيرة إلى أدوات للصراع والإقصاء. وهذا ما جعل مشروع “السودان الجديد” يتعثر، لأنه لم يجد البيئة الحاضنة التي تدعمه وتترجمه إلى مؤسسات عادلة.
من الناحية التاريخية، ظل السودان يعاني من أزمة هوية: هل هو بلد عربي؟ أفريقي؟ أم مزيج من الاثنين؟ هذا السؤال لم يُحسم بطريقة عادلة وشاملة، بل وظّف سياسياً لخلق انقسامات داخلية. ومع كل محاولة للسلام أو الانتقال الديمقراطي، كانت هذه التناقضات تبرز من جديد، لتؤكد أن المشكلة ليست في غياب الاتفاقيات، بل في غياب الإرادة الحقيقية لتغيير بنية الدولة نفسها.
السلام في السودان لا يمكن أن يتحقق عبر التوقيع على أوراق فقط، بل يحتاج إلى معالجة جذرية لقضايا العدالة والمساواة والتمثيل. فغياب العدالة الاجتماعية هو ما يغذي الإحباط والتمرد، وغياب مشروع وطني جامع هو ما يجعل كل مجموعة تبحث عن خلاصها الفردي على حساب بقية الوطن. لذا فإن السودان الجديد لن يولد إلا عبر بناء عقد اجتماعي جديد يؤسس لمواطنة متساوية، تتجاوز الانتماءات الضيقة إلى هوية وطنية شاملة.
ورغم التحديات الكبيرة، يظل الأمل ممكناً. فجيل الشباب السوداني، الذي خرج إلى الشوارع في ثورة ديسمبر، أثبت أن هناك طاقة كامنة قادرة على الدفع بالتغيير. لكن هذه الطاقة تحتاج إلى قيادة رشيدة، ومؤسسات ديمقراطية، وإرادة جماعية لكسر الحلقة المفرغة من الصراعات.
إذن، السؤال “أين السودان الجديد؟” هو سؤال مفتوح. الإجابة عليه لا تكمن في انتظار معجزة أو حلول خارجية، بل في إدراكنا أن التغيير يبدأ من الداخل: من قبولنا بالتنوع، من إيماننا بقيمة المساواة، ومن استعدادنا للتضحية من أجل مستقبل يليق بالأجيال القادمة. فالسودان الجديد ليس وعداً مؤجلاً، بل مشروع عمل يتطلب وعياً وإصراراً، حتى لا يظل مجرد حلم مؤجل في ذاكرة أجيال تعبت من الانتظار.
منى عبدالله دلدوم
المانيا




