رأي

كم لبثنا!

منعم سليمان

 

منعم سليمان

سألتني أمس صحفية غربية عن وضع الحريات الدينية في السودان بعد الحرب.

وأصدقكم القول: تعثّر الجواب في حلقي في اللحظة الأولى، ووقفت كأنّي غريق سُئِل عن لون البحر وهو في أعماقه. وجدتُ نفسي أردد في داخلي كما ردد أصحاب الكهف المعتم: كم لبثنا!

لقد انحدرت طموحاتنا وأحلامنا إلى قاعها البدائي، وصار همُّنا الأول هو البقاء على قيد الحياة في وجه الذئاب الضارية التي أطلقها الخراب.

وفي هذا السعي الغريزي سقطت قيم وحقوق عظيمة، فبدت لي أسئلة الحرية الدينية كأنها نداء خافت في الظلام. وقلت لنفسي: كيف يُسأل شخص قادم من وطنٍ تحرقه النيران من كل طرفٍ عن فسحةٍ صغيرةٍ تُسمّى حرية، أو عن حقٍ ديني في زمنٍ صار فيه القتل هو الدستور والدين؟

إن واقعنا اليوم لا يشبه حالَ أي أُمّةٍ من الأمم. لقد انهارت حياتنا وتبخرت آمالنا حتى غدت الحريات الدينية، لغير المسلمين بل للمسلمين أنفسهم، مجرد ترفٍ لا مكان له في زمن الموت والخراب، مع عودة التتار الجدد على أكتاف عسكرٍ هم الأغبى والأفسد والأشد توحشًا على مرّ العصور والأزمان.

ولم يعد الحديث عن التسامح وحرية العقيدة إلا سخريةً سوداء. فالمسلم نفسه، الذي يشهد بوحدانية الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم الشهر المعلوم ويحج البيت إن ستطاع إليه سبيلًا، قد يجد رأسه منزوَعًا من عنقه إن لم يبايع كتائب الموت (الإسلامية!)، ويذعن لشروطها التي تنقض جوهر الدين وتدوس مكارم الأخلاق.

أمّا المسيحيون الباقون بيننا – من جبال النوبة أو جنوب السودان – فقد صاروا في عين العاصفة. فهم مصنَّفون سلفًا وفق معايير أبارتهايدٍ عرقي/ديني صاغه الكيزان وتابعهم برهان، على أنهم “متعاونون مع قوات الدعم السريع”؛ تلك التهمة الجاهزة التي حكمها الموت الفوري، والتي صُمِّمت خصيصًا للتخلّص منهم، كما التخلّص من كل مختلفٍ سياسيًا أو ثقافيًا أو دينيًا أو عرقيًا. وتُلقى أسرهم وأطفالهم في العراء بلا موسى، بعد أن تُسوى بيوتهم بالأرض تحت لافتات كاذبة: (تنظيم المدينة) و(محاربة السكن العشوائي)، فيما الحقيقة تطهيرٌ عرقيٌّ ودينيٌّ يُمارس أمام الأعين بلا حشمة أو خجل!

والمأساة أن بعض أبناء النوبة ودارفور يُساقون للقتال في صفوف الجيش إلى جانب الإسلاميين أنفسهم، الذين أشعلوا الحرب للقضاء على حلمهم القديم: وطنٌ تعددي ديمقراطي حر، يكفل لهم كرامتهم، ويحفظ حقوقهم السياسية والثقافية والاجتماعية، ويجعل من العقيدة والعرق زينة للتنوع وثراءً للوطن، لا سيفًا للإقصاء!

وفي ظل هذا المشهد المظلم، لم تعد الأسئلة عن الحريات الدينية سوى مرآةٍ تعكس انهيار كل شيء: انهيار الدولة، وانهيار الضمير، وانهيار الإنسان، وانهيار الدين نفسه – كل دين!

لقد فتح سؤال الصحفية في دواخلي أسئلةً وجراحًا كنت أؤجّلها عمدًا، ووضعني أمام الحقيقة العارية: أننا نواجه مشروعًا لمحو الإنسان المختلف، وإحلال منطق الدم محلّ منطق الحياة. فما يجري ليس حربَ سلطةٍ فحسب، بل حربٌ على المعنى ذاته: معنى الإنسان، معنى الإنسانية، ومعنى أن يعيش المواطن حرًا كريمًا آمنًا في وطنه.

هنا يصبح النضال من أجل الحرية واجبًا لا ترفًا، وصوتًا للنجاة لا مطلبًا سياسيًا. وهنا يغدو الوقوف في وجه أعداء الإنسان والحرية والحياة نفسها فرضًا لا خيارًا.

وهنا يبقى الانحيازُ إلى من يتصدّى لهم انحيازًا ملزماً وطنياً وأخلاقياً.. ودينياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!