رأي

استراتيجيات الاخوان في حرب السودان

عباس احمد السخي

رغبة التيار الإسلامي المرتبط بالمؤتمر الوطني في العودة إلى السلطة كانت، ولا تزال، المحرك الخفي في إشعال الحرب الحالية. هذا التيار لم يتعامل مع الصراع بين المؤسستين العسكريتين باعتباره نزاعاً عارضاً، بل نظر إليه كفرصة لإعادة هندسة المشهد السياسي بما يمهّد لعودته. جميع احاديث قادة هذه الجماعة قبيل الحرب كانت تلخص جوهر الاستراتيجية التي دفعت الإسلاميين إلى المراهنة على نار الحرب حتى وإن احترق بنارها السودان بأكمله.

ضمن هذا المخطط، سعى الإسلاميون إلى تحويل الحرب من صراع سياسي إلى حرب هوية، عبر تغذية خطاب عنصري يضع غرب السودان في مواجهة ما يُسمى بالسودان النيلي. هذا التحويل يُنتج تعبئة عاطفية حادة ويضعف أي إمكانية لتوحيد صفوف المجتمع في مواجهة المشروع المركزي. وقد رُصدت بالفعل عمليات استهداف للمدنيين على أساس عرقي، وارتبطت موجات نزوح ومجاعة في دارفور بمثل هذا الخطاب.
المخطط لم يقف عند هذا الحد، بل سعى أيضاً إلى حصر الصراع داخل مكونات غرب السودان نفسها، عبر تقسيم الناس إلى عرب وزرقة، وتحويل الخلافات القديمة حول الموارد والتمثيل إلى حروب داخلية. بهذه الطريقة يضمن التيار الإسلامي تفتيت الجبهة الشعبية في الغرب ومنعها من التبلور في مواجهة عودة المركز القديم. وهو تقسيم خطير يتغذى على روايات إعلامية مضللة وعلى شحن متعمد بين المجموعات.
كما أن تركيز القتال في دارفور وكردفان وأجزاء من النيل الأبيض لم يكن صدفة، وإنما جزء من استراتيجية تقوم على حصر نطاق الحرب في مناطق بعيدة عن الخرطوم، وتحويلها إلى بؤر دائمة للنزاع يمكن التحكم فيها وإعادة تشكيلها بما يخدم النفوذ السياسي لاحقاً. الهدف لم يكن هزيمة الدعم السريع عسكرياً فقط، بل إنهاكه عبر حرب استنزاف طويلة تدور في مناطق فقيرة، ما يجعل كلفة الحرب باهظة بالنسبة له ولحواضنه الاجتماعية.
هذا النهج يتضمن كذلك إطالة أمد الحرب والمراهنة على فتور عزيمة مقاتلي الدعم السريع. فكلما طال أمد القتال في الأطراف، تزايدت الضغوط الاقتصادية وتراجعت معنويات الخصوم. في الوقت نفسه، يجري استنزاف قدرات الحركات العرقية المسلحة ودفعها إلى حالة من الحاجة المستمرة للدعم الحكومي أو شبه الحكومي، مما يحوّلها إلى كيانات تابعة يسهل التحكم فيها وإعادة إدماجها على شروط تخدم المركز.
الأمثلة الواقعية كثيرة وتكشف بجلاء هذا التوجه. أحمد هارون أكد أن الانتخابات بعد الحرب قد تتيح عودة حزبه، في إشارة إلى أن الصراع ليس غاية في ذاته بل وسيلة للعودة. وفي فبراير 2025 حذر البرهان من أن المؤتمر الوطني يسعى للعودة إلى الحكم «على أشلاء السودانيين»، وهو تصريح يعكس حجم الخطر الكامن في استغلال الحرب لإعادة إنتاج مشروع الإسلاميين. كذلك نظمت تيارات إسلامية مظاهرات رددت فيها هتافات مثل «فولكر اخرج» رفضاً لأي تسوية سياسية برعاية دولية، في إشارة إلى أن الحرب في نظرهم أفضل من تسوية تُقصيهم. كما ظهرت في ساحات القتال كتائب مثل «براء بن مالك»، ما يوضح أن التدخل لم يكن سياسياً وإعلامياً فقط، بل عسكرياً أيضاً.
كل هذه المؤشرات تضع أبناء دارفور وكردفان والنيل الأبيض أمام حقيقة صادمة: الحرب تُدار بأجندات لا علاقة لها بمصالحهم أو بمطالبهم المشروعة، وإنما تُستخدم أرضهم ودماؤهم وقوداً لمشروع عودة تيار سياسي فقد شرعيته. إن الاستمرار في الانجرار وراء هذا المخطط يعني المزيد من الدماء والانقسامات والمجاعات، بينما اليقظة الجماعية ورفض تحويل الصراع السياسي إلى حرب عرقية هي السبيل الوحيد لإفشال هذا المخطط الجهنمي. إن وحدة هذه المجتمعات، ووعيها بأن الحرب ليست قدرها بل فخ منصوب لها، هو الضمانة الوحيدة لإنقاذ السودان من دورة جديدة من الاستبداد والخراب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!