رأي

تصحيح المسار: بين جدار التشكيك وروح التسامح “لا ينبغي أن نجعل الماضي وتاريخ الناس السيء سجناً يمنعهم من إصلاح ما خربوه”

دكتور عبدالله محمد ادم ..كمبالا

 

د.عبدالله محمد ادم / كمبالا

كم من إنسان وقع في الظلام ثم بحث عن النور؟و كم من شخص انحرف عن الطريق ثم قرر العودة؟ في واقعنا السوداني، كثيراً ما نواجه ظاهرة رفض من يريد تصحيح مساره، سواء كان ذلك في المجال السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، نرفضهم بشكوكنا وتشكيكنا، نحكم على ماضيهم ونغفل عن حاضرهم، فنفقد بذلك طاقات كانت يمكن أن تساهم في بناء وطننا.

هناك نماذج عملية للتغيير من العصابات إلى التعاون الأمني، و أحد أبرز الأمثلة على قدرة الإنسان على تغيير مساره هو أولئك الذين كانوا ينتمون لعصابات إجرامية ثم قرروا التوبة و مساعدة الأجهزة الأمنية علي فهم سلوك المجرمين و القبض عليهم . هؤلاء لا يعيدون بناء حياتهم فحسب، بل يصبحون مصادر معرفة ثمينة تساعد في فهم سلوك المجرمين وإفشال مخططاتهم، لأن خبرتهم في عالم الجريمة تتحول من أداة هدم إلى أداة بناء، ومن وسيلة إيذاء إلى وسيلة حماية.

و في السودان، نرى نموذجاً ملموساً آخر ممن كانوا أعضاء فاعلين في حزب المؤتمر الوطني في مرحلة من مراحل حياتهم، ثم نبذوه وخرجوا عليه و ساهموا في الثورة ضده، حتى بحمل السلاح. هؤلاء لم يغيروا اتجاه سفينتهم فحسب، بل قدموا دليلاً عملياً على أن الانتماء السابق لا يلغي الإمكانات الحالية للانضمام إلى مسارات التغيير الإيجابي.

في النصوص الدينية تبدأ قصة النبي إبراهيم عليه السلام بمرحلة من التأمل والبحث عن الحقيقة، حيث يقول تعالى في كتابه: “وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ”. لقد بدأ إبراهيم بعبادة النجوم والكواكب، معتقداً أنها آلهة، ثم اكتشف أنها ليست كذلك، فانتقل إلى مرحلة أخرى من التفكير، و لما رأى القمر بازغاً قال: “هذا ربي” فلما أفل قال: “لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين”، ثم رأى الشمس بازغة فقال: “هذا ربي هذا أكبر” فلما أفلت قال: “يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”. لقد مر إبراهيم بمراحل متعددة من الاعتقاد الخاطئ قبل أن يهتدي إلى ربه، ولم يكن انتقاله بين هذه المراحل محط انتقاد أو سخرية، بل كانت رحلة بحث متجردة عن الحقيقة انتهت إلى الهداية. و يكفي أن نتذكر قصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي خرج يوماً ليقتل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فانتهى به المطاف إلى أن أصبح أحد أهم مناصريه وقادة دولته. لقد حمل سيفه ذاته الذي خرج به ليقاتل الإسلام ليصبح مدافعاً عنه. أليس في هذا أعظم دليل على أن الإنسان يمكن أن يتغير بشكل جذري؟

للاسف يواجه من يقرر تغيير مساره في السودان انتقادات حادة وشكوكاً عديدة، و يبقى الجدل قائماً حول مشروعية من يحاولون تغيير اتجاههم او الاعتذار عن ماضيهم . وهذا ينطبق على مختلف المجالات، حيث يصر البعض على ربط الإنسان بماضيه دون إعطائه فرصة لإثبات تجديده، و في المقابل، نجد في التراث الإسلامي تأصيلاً لهذا المبدأ، حيث قال عمر بن الخطاب: “خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا”. إنها إشارة واضحة إلى أن قيمة الإنسان بحاضره لا بماضيه، وبما يقدمه الآن لا بما كان عليه بالأمس.

لمن يفكر في مرحلة بعد الحرب في السودان ، يجد إننا بحاجة ماسة إلى ثقافة التسامح مع المخطئين الذين يريدون العودة، وفتح الباب أمامهم للمساهمة في بناء مجتمعاتنا و دعم التغيير. هذا لا يعني التغاضي عن المحاسبة عندما يثبت الجرم، لكنه يعني عدم تحويل الأخطاء السابقة إلى حكم بالإعدام الأخلاقي والدائم على الإنسان فيحفذهم الرفض في البقاء مع النظام الفاسد لحماية انفسهم.

إن من يقرر تصحيح مساره بحاجة إلى دعم نفسي ومجتمعي، وإلى من يمد له يد العون لا من يضع المزيد من العقبات في طريقه. فقط عندما نتعلم كيف نرحب بالعائدين إلى طريق الصواب، يمكننا أن نبني مجتمعات قوية قادرة على الاستفادة من جميع طاقاتها، بما في ذلك طاقات أولئك الذين أخطأوا ثم أصابوا، وضلوا ثم اهتدوا، واقترفوا الإساءة ثم أرادوا التعويض .لذلك يجب ان لا نرفض إعتذار قيادة الكيزان عن ماضيهم ، ان تبعوا ذلك بعمل صادق من أجل التصحيح، لكن يجب ان لا ننسي الحكمة التي تقول ( trust but verify )

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!