رأي

🔥قراءة سيناريو ما بعد الفاشر الجيش والمشتركة شراكة الضرورة ومصير المواجهة🔥

محمود كاربينو

 

محمود كاربينو 

في قلب السودان تقف الفاشر اليوم على مفترق طرق حاسم مدينة تمثل رمزاً لقوى متصارعة ومرآة للذاكرة الجمعية المليئة بالدماء والصراعات القديمة ، هنا تتقاطع مصالح الجيش والقوات المشتركة حيث شراكة الضرورة تصطدم بماضي من العنف والغبن الاجتماعي ، والحدود بين التحالف والانفجار دقيقة جداً أي تحرك ميداني في الفاشر لن يكون تغيير في خطوط السيطرة فقط بل اختبار حقيقي لمصير التحالف القائم وللنفوذ الاجتماعي والسياسي لكل طرف.

التحالف بين الجيش والمشتركة ليس تحالفاً قائماً على مشروع وطني موحد بل هو تحالف فرضته ظروف الحرب وتوازنات المصالح المشتركة ومن هذه الزاوية تحديداً تكمن هشاشته ؛ إذ إن الطرفين ينطلقان من دوافع مختلفة الجيش يسعى لاستعادة هيمنته التاريخية على الدولة بينما المشتركة ترى نفسها ممثلاً لكتلة اجتماعية وسياسية مغايرة لا تريد العودة إلى معادلة ما قبل الحرب ، هذا التباين في الوعي السياسي يجعل أي تحول ميداني شرارة كافية لتفجير التناقضات الكامنة.

فالقوات المشتركة ترتكز بشكل أساسي على حواضن تنتمي إلى مجموعات دارفورية وعلى رأسها قبيلة الزغاوة وهي حواضن تشكلت داخل بيئة دفعت ثمناً باهظاً في حروب سابقة كان الجيش طرفاً أساسياً فيها ، هذا الماضي ترك جرحاً مفتوحاً لا يندمل وصار جزءً من الهوية السياسية والاجتماعية للمشتركة ، في المقابل تنظر مجتمعات الوسط والشمال إلى هذه القوات على أنها خطر داهم لا يقل خطورة عن قوات الDM نفسها بل وترى أن التخلص منها واجب كما جرى التعامل مع الDM ، في إطار تصور مركزي يعتبر أن السودان لا يتسع لمراكز قوى موازية ، هذه الرؤية المتقابلة تكشف هشاشة التحالف بين الجيش والمشتركة ، فهو تحالف محكوم بالحذر والريبة أكثر من كونه شراكة إستراتيجية حقيقية.

الذاكرة الجمعية للمجتمعات الحاضنة للمشتركة مليئة بوقائع الدم والانتهاكات التي ارتبطت في أذهانهم بمؤسسات الدولة والجيش تحديداً ، هذه الذاكرة لا تتعامل مع الأحداث كماض منتهي بل كجزء حي من الهوية اليومية ، وبالمقابل يحمل المجتمع النيلي روايته الخاصة عن المشتركة بوصفها قوة صاعدة تهدد المركز ، هذا الاصطدام في السرديات هو ما يجعل أي تحالف بين الطرفين هشاً ومرشحاً للانفجار عند أول اختبار حقيقي.

إذا تمكنت قوات الDM من تحرير الفاشر والسيطرة عليها ، فإن المشتركة ستفقد أهم قاعدة ميدانية تمكنها من التواجد في المعادلة السياسية والعسكرية ، هذه الخسارة ستفتح الباب أمام الجيش لفرض شروط قاسية عليها في مقدمتها مطالبتها بتحرير مناطقها كضريبة للبقاء في التحالف أو بعبارة أدق كشرط لاستمرار الاعتراف بها ، هذه اللحظة ستكون حاسمة فإما أن تخضع المشتركة وتدخل في صدام مع حواضنها ، أو ترفض وتدخل في صدام مباشر مع الجيش.

من المستبعد أن تنحاز المشتركة إلى الDM ، فهي ترى نفسها شريكاً أصيلاً في المعركة وليست تابعاً لأحد ، هي التي أحدثت الفرق العملياتي على الأرض في كثير من الجبهات والجيش يدرك أنه لا يستطيع المضي وحيداً في معركة طويلة بهذا الحجم لكن في المقابل الجيش ينظر إليها كحليف مؤقت وحين تتغير موازين القوى فسيكون أول من يدفعها خارج اللعبة ، هذه المعادلة ستقود حتماً إلى صدام مباشر بين الطرفين.

في حال اندلاع هذا الصدام من المرجح أن تسيطر القوات المشتركة على الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض وسنار ، نظراً لقوة حواضنها الاجتماعية في هذه الولايات ، في حين سيتمترس الجيش في ولايات الشمال والشرق التي تمثل له عمقه المجتمعي والتاريخي ، أما في النيل الأزرق فستكون المنافسة بين الحركة الشعبية بقيادة مالك عقار وقوات تأسيس ، إذ قد ينجح أحدهما في فرض سيطرته هناك إذا تمكن من خلق اختراق ميداني وتحالف سياسي متين.

لكن من المهم الإشارة إلى أن الصدام مع الجيش قد لا يكون خارجياً فحسب فالمشتركة نفسها قد تشهد انقساماً داخلياً بين تيار يميل إلى الانخراط في تحالفات جديدة مع الDM أو قوات تأسيس ، وتيار آخر يفضل البقاء في مظلة التحالف مع الجيش هذا الانقسام المحتمل قد يُضعف المشتركة من الداخل ويعيد تشكيلها كقوة سياسية وعسكرية جديدة بملامح مختلفة عما كانت عليه.

في هذه اللحظة الحرجة يمكن لقوات تأسيس أن تلعب دوراً محورياً فالعلاقة بينها وبين المشتركة تقوم على قواسم مشتركة عديدة منها رؤية معادية للحكم الشمولي ، وعداء تاريخي لجيش الحركة الإسلامية ، وهدف واضح يتمثل في إنهاء هذه المنظومة التي ظلت تتحكم في الدولة لعقود ، هذا التقاطع يمكن أن يفتح الباب أمام تحالف ميداني وسياسي جديد يغير قواعد اللعبة تماماً ويعيد رسم الخريطة من جديد.

تحرير الفاشر أياً كان الطرف المسيطر سيعيد رسم المشهد السياسي السوداني من جديد فالمعادلات القائمة اليوم على تحالفات هشة ستتغير جذرياً ، وستُفتح نوافذ جديدة لقوى تبحث عن موطئ قدم في النظام القادم هذه اللحظة قد تكون فرصة تاريخية لإعادة بناء معادلة وطنية شاملة ، أو منزلقاً نحو تفكك أوسع يعيد إنتاج الحرب في شكل جديد ، ما سيحدث لن يقتصر على دارفور بل سيمتد إلى قلب الخرطوم وما حولها وفي الشمال تحديداً.

ما سيحدث بعد تحرير الفاشر لن يكون تحرك عسكري بل سيكون بداية تصدع حقيقي داخل التحالف القائم وربما ولادة تحالفات جديدة أكثر جرأة ووضوحاً ، لكن المؤكد أن الأرض السياسية والعسكرية لن تبقى كما كانت وأن توازن القوى سيتبدل بطريقة غير قابلة للرجوع إلى الوراء ، فالجيش والمشتركة يتشاركان اليوم خندقاً واحداً لكنهما يحملان تاريخاً مختلفاً ومستقبلاً متناقضاً ، وسيأتي اليوم الذي يفترقان فيه على وقع رصاص لا تفاهمات.

هذا السيناريو ليس افتراضاً بعيداً بل نتيجة طبيعية لتراكمات الماضي وطبيعة التحالفات القائمة وحين تسقط الفاشر من يد المشتركة ، ستسقط معها آخر أوهام الوحدة بين هذه القوى ، وسيدخل السودان مرحلة جديدة عنوانها، تفكك التحالفات القديمة وصعود تحالفات أكثر صلابة ووضوحاً في أهدافها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!