رأي

عبقرية ترامب في إعادة تشكيل شرق أوسط جديد

د. خالد تارس

في مشهدٍ كأنه إعلانٌ لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط، احتضنت شرم الشيخ قمة سلام غزة بعد تدميرها كلياً، جاءت القمة، برعاية مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حيث وقع اوردغان والسيسي وتميم على الوثيقة بجانب ترامب الذي وصف اللحظة بأنها يوم الشرق الأوسط، الواقعة لم تكن مجرد خطوة لإنهاء حرب مدمّرة، بل محاولة أمريكية جريئة لإعادة صياغة معادلات (القوة) والنفوذ في المنطقة وفق رؤية جديدة أكثر واقعية وبراغماتية.

اللآفت في هذا الاتفاق ليس مضمونه فحسب، بل تركيبته السياسية الفريدة التي تجمع على طاولة التوقيع الثلاثي الإقليمي الخطير، مصر وتركيا وقطر، وهي دول تختلف في مقارباتها وتحالفاتها، لكنها تشترك في كونها مفاتيح حيوية لأي معادلة تخص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي مشهد رمزي لافت، منح عبدالفتاح السيسي (قلادة النيل) لترامب، كأرفع وسام في الدولة المصرية، في إشارة إلى تقدير القاهرة للدور الأمريكي الجديد. لكن غياب رئيس الوزراء نتنياهو عن القمة مكتفياً بتصريح مقتضب إن المعركة لم تنتهِ بعد، يعد إشارة واضحة إلى استمرار الرهان الإسرائيلي على القوة أكثر من التسوية.!

اتفاق شرم الشيخ نصّ على تبادل الرهائن والسجناء وانسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من القطاع، تمهيداً لمرحلة انتقالية تشرف عليها آليه (مجلس السلام)، وهو إطار جديد يعكس رغبة واشنطن في الإمساك بخيوط المرحلة المقبلة من إعادة الإعمار وإعادة ترتيب موازين القوى. غير أن السؤال الجوهري هنا، لماذا اختار ترامب إدخال الدول الثلاثة في هذا المشروع؟ الإجابة تكمن في ملامح الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة، والتي تقوم على تحميل بعض القوى الإقليمية مسؤولية إدارة محيطها بدلًا من الاعتماد الكلي على التدخل الأمريكي المباشر. فمصر بما تمثله من ثقل جغرافي وسياسي وأمني تعدّ الضامن الطبيعي لأي اتفاق فلسطيني. وتركيا تمتلك نفوذاً مباشراً على بعض الفصائل في القطاع ولها موطئ قدم استراتيجي في الإقليم. أما قطر، فهي القناة المفتوحة مع حركة حماس والاخوان المسلمين والداعم المالي والسياسي الأبرز لغزة طوال هذه المدة.

في هذه الصفقة يبدو أن ترامب لم يوزّع الأدوار مجاملةً، لكن بناءً على تقديرات وحسابات دقيقة تربط كل طرف بمسؤوليته التاريخية عن إطالة أمد الأزمة، ليصبح ملزماً بالمشاركة في كلفة السلام ذاته.  حيث من الواضح إنها سياسة تقوم على مبدأ إدارة الأطراف، بدلًا من (إدارة الصراع)، بما يخفف الأعباء عن الادارة الامريكية ويجعلها تمسك بخيوط اللعبة دون الخوض فيها. جوهرياً، لم يكن إدخال الثلاثي الاقليمي مجرد خطوة دبلوماسية، بل كان اختبار سياسي معقّد لمدى قدرة هذه الدول على تجاوز تناقضاتها وتوحيد مقارباتها في خدمة مشروع السلام الأمريكي في الشرق الاوسط. فمصر التي ترزح تحت ضغط الأمن والاقتصاد، تجد نفسها مطالبة بدور الضامن والمموّل في آنٍ واحد. وتركيا، التي بنت خطابها على دعم المقاومة، تواجه مأزق التوفيق بين شعاراتها الأيديولوجية ومصالحها الإقليمية. أما قطر، فتسير على خيط رفيع بين الوساطة والدعم المالي، وهي مطالبة الآن بتحويل نفوذها إلى التزام سياسي جاد وملموس.!

وبينما يُروَّج ترامب لاتفاق شرم الشيخ على أنه نصر لإسرائيل والعالم، فإن الحقيقة الأعمق تكمن في أن الولايات المتحدة أعادت توزيع عبء المنطقة على أكتاف الفاعلين المحليين. فهي لم تعد راغبة في إدارة أزمات الشرق الأوسط بمواردها الخاصة، لكن بتفاهمات تُلزم الآخرين بتحمّل كلفة السلام والاستقرار تحت المظلة الأمريكية. بهذه المقاربة، نجح ترامب في تحويل الشرق الأوسط من ساحة صراعات إلى حقل لإعادة إنتاج النظام الإقليمي بمفهوم امريكي اخر، عبر ترويض التناقضات واستثمارها بدلاً من مواجهتها. فالقضية لم تعد في غزة وحدها، بل في بنية التفكير السياسي الجديد الذي يجعل من (السلام)، أداة لإعادة توزيع النفوذ وتحديد من يملك القرار، ومن يكتفي بدفع الفاتورة.!

إن ما قدّمه الرئيس دونالد ترامب ليس سلاماً بالمعنى التقليدي، هي هندسة سياسية جديدة للمنطقة، تُعيد رسم خرائط المسؤولية والنفوذ الدولي، وتجعل من الشرق الأوسط (مختبراً) مفتوحاً للرؤية الأمريكية القادمة، حيث يُعاد تعريف الأصدقاء والخصوم على أسس المصلحة الواضحة لا على أسس الشعارات الزائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!