
أبو عبدالله الراشدي
في مشهدٍ يعيد للأذهان أسوأ صفحات التاريخ السياسي في السودان، شرعت السلطات في ولاية الخرطوم مؤخرًا في تنفيذ حملات إزالة لمنازل المواطنين المنحدرين من أقاليم دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، وجبال النوبة، تحت ذرائع واهية تتعلق بالتخطيط العمراني أو ملكية الأرض.
لكن خلف هذه المبررات الباهتة تختبئ عقيدة عنصرية مقيتة، طالما غذّت أزمات السودان منذ استقلاله، وجعلت من التهميش قاعدةً ومن العدالة استثناءً.
ما يجري في الخرطوم اليوم ليس مجرد إزالة لمبانٍ من الطوب والطين، بل هو هدم ممنهج للكرامة الإنسانية، واستمرار لسياسات الإقصاء التي ظل المركز يمارسها ضد أبناء الهامش لعقود طويلة.
فكل لبنة تُسقط في هذه الحملات، تسقط معها فكرة الوطن المتساوي الذي حلم به السودانيون، وطن لا يُقاس فيه الانتماء بالموقع الجغرافي أو القبيلة أو لون البشرة.
إنّ الحركة الإسلامية التي قسّمت البلاد بفصل الجنوب، وكرّست خطاب الكراهية والتعالي، تبدو اليوم وكأنها تمهّد لمرحلةٍ جديدة من التفتيت.
فما يحدث في الخرطوم ليس إلا حلقة أخرى من سياسات التهجير القسري الممنهجة التي تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية للعاصمة بما يخدم مصالح السلطة المتغلغلة داخل أجهزة الدولة.
إنهم يريدون خرطومًا “نقية” من أبناء الأطراف، كما أرادوا من قبل دولةً بلا جنوب، وهو ذات المشروع الذي يسير نحو تفكيك السودان باسم الوحدة.
تعبّر هذه الممارسات عن بنية السيطرة والتمييز التي تحكم ذهنية القوى الاجتماعية المهيمنة على القرار السياسي.
فالسلطة في السودان لم تُبنَ يومًا على مفهوم المواطنة، بل على تراتبية اجتماعية عنصرية تجعل من أبناء المركز أسيادًا على بقية مكونات الشعب.
ولذلك، فإن ما يُسمّى “بالحزام الأسود” الذي يُزال اليوم من أطراف الخرطوم، هو ذاته الذي سيهدم هذا المركز المتغطرس غدًا.
فالتاريخ لا يرحم، وحين يعيد نفسه يفعل ذلك بوجهٍ أشد قسوة، لأنّ الظلم حين يُراكم يتحوّل إلى قوة ثأرٍ كامنة في ذاكرة الشعوب.
لقد ظل أبناء دارفور وكردفان والنيل الأزرق وجبال النوبة يشكلون جزءًا أصيلًا من نسيج العاصمة منذ عقود.
هم من بنوا شوارعها، وخدموا في مؤسساتها، وساهموا في نهضتها الاقتصادية والاجتماعية، ومع ذلك يتم التعامل معهم اليوم وكأنهم غرباء في وطنهم.
هذا التمييز الطبقي والإثني لا يهدد فحسب السلم الاجتماعي، بل ينسف فكرة السودان الحديث من جذورها.
فأي دولةٍ يمكن أن تقوم على أساسٍ من الظلم؟ وأي وطنٍ يمكن أن يستقر إذا أصبح مواطنوه درجات؟
العدالة الحقيقية لا تتحقق بقرارات شكلية ولا بخطبٍ منمقة، بل بإعادة توزيع السلطة والثروة على أسس المواطنة والمساواة.
وما لم تُكسر هذه الحلقة العنصرية التي تتجدد كل عقد في ثوبٍ جديد، فإنّ السودان سيتجه بخطى ثابتة نحو التلاشي التدريجي.
إنّ ما يجري في الخرطوم اليوم ليس شأنا محليًا، بل هو ناقوس خطر وطني، يذكّر الجميع بأنّ التمييز الذي يبدأ في حيّ سكني يمكن أن ينتهي بتمزيق وطن بأكمله.
وإذا كانت الجرافات تهدم اليوم بيوت البسطاء في أطراف العاصمة، فإنها غدًا ستصل إلى قلب المركز ذاته حين تنفجر تناقضاته الداخلية.
فالتاريخ لا يقف إلى جانب الجرافات، بل إلى جانب ضحاياها.
على الدولة أن تدرك أن الوطن ليس هندسة عمرانية، بل عقد اجتماعي يقوم على العدالة والاحترام المتبادل.
وما لم تُوقف هذه السياسات الإقصائية فورًا، وتُعالج آثارها بقرارات شجاعة، فإنّ ما يُهدم اليوم من منازل، سيُبنى غدًا من رمادها جدارٌ من الغضب يصعب تجاوزه.




