رأي

الفاشر… نقطة التحول وللتأسيس مسؤولية 

مها طبيق

 

مها طبيق

تحول الفاشر… من معركة ميدانية إلى لحظة تأسيس وطني :

يشكّل تحرير قوات الدعم السريع لمدينة الفاشر حدثًا فارقًا في المشهد السوداني ، يتجاوز بعده العسكري إلى دلالات سياسية واستراتيجية عميقة .

فالفاشر ، العاصمة التاريخية لدارفور ، كانت دائمًا مركز التوازن الجيوسياسي للإقليم ، والسيطرة عليها تعني تحوّلًا في موازين القوة الوطنية ، وإعادة تعريف خارطة النفوذ في السودان .

غير أن قيمة هذا النصر تُقاس ، بما يترتب عليه من التزامات ومسؤوليات . فمن دون مشروع وطني جامع يُترجم المكاسب العسكرية إلى رؤية سياسية واقعية ، سيظل الانتصار ناقصًا ، وربما يتحوّل إلى عبء إن لم يُدار بعقلية الدولة لا بعقلية الميدان .

واشنطن ترسم الخط الأحمر : لا عودة للإسلاميين :

في هذا التوقيت الحرج ، جاءت تصريحات مساعد بولس ، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية ، لتضع النقاط على الحروف بشأن موقف واشنطن من مستقبل السودان .

إذ أكد بولس أن جماعة الإخوان المسلمين وأنصار النظام البائد يمثّلون “خطًا أحمر” للولايات المتحدة ، وأن أي محاولة لإعادتهم عبر المؤسستين العسكرية أو السياسية ستُواجَه بالرفض القاطع . هذه الرسالة ، وإن بدت موجهة إلى بورتسودان ، إلا أن مضمونها يمتد إلى كل القوى الفاعلة في الميدان ، بما فيها قوات الدعم السريع وحكومة التأسيس .

فالعين الدولية تراقب من ينتصر ، وكيف يُدار الانتصار ، ومن سيمسك بمفاتيح السلطة في مرحلة ما بعد الحرب .

وبذلك ، تضع واشنطن معادلة واضحة : الدعم مرهون بالقطيعة التامة مع الإسلاميين ، وبناء مؤسسات حكم مدني جديدة ، شفافة ومُستقلة عن إرث الأيديولوجيا .

حكومة التأسيس… اختبار الجدارة والمسؤولية :

تقف حكومة التأسيس اليوم أمام اختبار حاسم للثقة والشرعية . فالرهان الحقيقي بجانب السيطرة الميدانية ، يكون في قدرتها على تحويل الانتصار إلى مشروع دولة .

ويبدأ ذلك بإعادة هيكلة منظومة الحكم وفق مبادئ واضحة :

▪︎ تحييد المؤسسة العسكرية عن الولاءات العقائدية والقبلية .

▪︎ بناء مؤسسات مدنية فاعلة لإدارة المناطق المحررة بكفاءة وشفافية .

▪︎ اعتماد العدالة الانتقالية بديلاً للانتقام ، والمساءلة بديلاً للإقصاء .

▪︎ توسيع المشاركة السياسية لتشمل قوى الهامش والمجتمع الحقيقي ، بعيدا عن واجهات النخب القديمة .

إن اللحظة الراهنة تفرض على حكومة التأسيس أن تثبت عمليًا أن مشروعها ليس تكرارًا لتجارب السلطة السابقة ، وإنما نقطة انطلاق نحو عقد اجتماعي جديد يُعيد للسودان هيبته ووحدته .

تحذير من فخّ الإسلاميين… وتسلل المنظومات القديمة :

انتصار الفاشر قد يفتح شهية بقايا النظام البائد لمحاولات العودة عبر مسارات ناعمة ، مستغلين هشاشة المرحلة الانتقالية وتعدد الولاءات المحلية . فالإسلاميون بارعون في إعادة التموضع داخل البُنى القبلية والإدارية عبر واجهات إنسانية أو مجتمعية ظاهرها الحياد وباطنها الولاء القديم .

وأي تساهل مع هذه الشبكات يعني نسف مشروع التأسيس من الداخل . لذلك، المطلوب اليوم يقظة استخبارية ومؤسسية لمنع إعادة إنتاج تلك المنظومات التي استخدمت الانتماء الإثني والديني كأداة للهيمنة على الدولة والمجتمع .

مسؤولية الدعم السريع في حماية المدنيين واستقرار الفاشر :

الوضع في الفاشر ما يزال هشًّا مؤسسات الحكم المحلي شبه منهارة ، والخدمات في حدّها الأدنى ، والفراغ الأمني قابل للاستغلال من قوى موالية للإسلاميين . وهنا تتعاظم مسؤولية قوات الدعم السريع في ضبط الأوضاع ، ومنع الانفلات ، وضمان حماية المدنيين كأولوية استراتيجية .

إن الفاشر اليوم هي الاختبار الحقيقي لمدى التزام الدعم السريع بمعايير الحكم الرشيد والانضباط العسكري ، فنجاحه في تثبيت الأمن وحماية المجتمع سيمنحه شرعية أخلاقية وسياسية أكبر من أي مكسب ميداني .

من النصر إلى النهضة… مسؤولية التاريخ :

ما بعد الفاشر هو مرحلة بداية مسؤولية . التحولات الميدانية الكبرى لا تكتمل إلا عندما تُترجم إلى استقرار سياسي ومؤسسات مدنية تحمي المواطن وتُعيد الثقة إلى المجتمعات المنهكة .

وإن لم تُدار هذه اللحظة بوعي تاريخي ، فستضيع كما ضاعت لحظات مفصلية من قبل .

إن مشروع التأسيس أمام فرصة نادرة :

إما أن يُكرّس واقعه كبديل وطني يعيد بناء السودان على أسس العدالة والمواطنة ،

أو يسمح بتكرار دوائر العبث التي أوصلت البلاد إلى حافة الانهيار .

الفاشر اليوم بجانب كونها مدينة مُحرّرة ، فهي بداية كتابة فصل جديد في التاريخ السوداني — فصل لا مكان فيه لمن أورثوا البلاد الانقسام والخراب .

مها الهادي طبيق

29 اكتوبر 2025

mahatebig@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!