رأي

لا للانتقام.. نعم للعدالة: السودان لا مكان فيه لتكرار أخطاء الفلول

آدم بركة دفع الله عطية

 

 آدم بركة دفع الله عطية

“العدالة الحقيقية لا تعرف انتماءً، بل تنتمي للضحايا جميعًا.”
“الخطأ خطأ والجرم جرم، مهما تغيّر القناع أو تبدّل الشعار.”

في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ السودان، وبين ضجيج المعارك وصخب الخطابات المتنازعة، يصبح السؤال الأكبر هو: هل نرنو نحو العدالة الحقيقية أم نحو انتقامٍ جديد يعيدنا إلى دائرة العنف التي حطّمت بلادنا لعقود؟

الفلول لم يكونوا مجرد جماعة سياسية، بل نظامًا إجراميًا مارس القهر والعنف بأبشع صوره، رأينا أفعالهم الوحشية تتضمن ذبح الأبرياء، تعذيب المواطنين، وارتكاب فظائع ضد المدنيين بلا ذنب. ومع ذلك، الخطورة تكمن اليوم في أن نُبدّل وجه الظلم القديم بوجهٍ جديد أكثر قسوة، تحت مبرر الولاء أو الانتماء، فنبرّر الجرائم لأن مرتكبها “من جماعتنا” أو “من صفنا”.

هل العدالة تُبنى بالانتقام؟ وهل يمكن للوطن أن يشفى إذا أصبح كل طرف يقتصّ بيده دون قانون أو وازع ضمير؟ الإجابة واضحة: لا. العدالة الحقيقية تحتاج إلى ضمير يقظ، وإطار قانوني يحمي الجميع، لا إلى مظاهرات الغضب أو الثأر الفردي.

ما يزيد الأمر تعقيدًا هو ما نراه من بعض الإعلاميين، الذين أصبحوا — بدل أن يكونوا مرآة الحقيقة — منصة للتهليل للجرائم، وكأن دماء الأبرياء أصبحت مشهدًا للفرجة والتسلية. الكلمة قد تقتل كما تقتل الرصاصة، والإعلام مسؤولية أخلاقية لا مكان فيها للتشفي أو الاصطفاف.

ما جرى في الفاشر ليس حادثًا عابرًا، بل اختبارًا للضمير الوطني: فإما أن نكون مجتمعًا يرفض الجريمة مهما كان مرتكبها، أو أمة تبرّر الوحشية حين تصدر من معسكرها. حماية المدنيين، ومحاسبة المجرمين، وتحجيم خطاب الكراهية والقبلية هي مسؤوليات لا يجوز المساومة فيها.

الحل ليس في الغضب أو الانتقام، بل في بناء مشروع وطني للعدالة الانتقالية يضع الحقائق أمام الجميع، ويحاسب الجناة، ويمنع تكرار الكارثة. الفاشر يجب أن تكون ساحة لترسيخ العدالة والمحاسبة، لا منصة لتصفية الحسابات أو استعراض القوة.

الفلول مجرمون بلا شك، لكننا نخسر المعركة الأخلاقية إذا تحوّلنا نحن إلى نسخة جديدة منهم، بأسماء مختلفة. السودان لن يُبنى بالانتقام، بل بالضمير، القانون، والمصالحة الصادقة. فالخطأ يظل خطأ، والجرم يظل جرمًا، مهما تغيّر القناع أو تبدّل الشعار. فلنحافظ على إنسانيتنا، فهي آخر ما تبقّى من هذا الوطن الجريح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!