
إسماعيل هجانة
اليوم يوافق اليوم رقم 1000 من حرب 15 أبريل 2023؛ حرب دخلت على السودان كقوة تدمير شاملة، وأعادت تعريف معنى الحياة نفسها، بعدما حوّلت الدولة والمجتمع إلى ساحة استنزاف مفتوحة. هذه الحرب لم تُنتج أزمة إنسانية كما يظن البعض، فقد فجّرت أزمة إنسانية شاملة وعمّقت الكارثة البنيوية التاريخية التي ظلت تلاحق الدولة السودانية منذ شرارة الحروب الأولى في توريت 1955، حين وُضع العنف في كاساس معادلة الحكم، وتأسست الدولة على الإقصاء والقهر والاستغلال والاستعنار الداخلي بدل العدالة والمواطنة.
بعد ألف يوم، يتحدث البعض عن دمار البنية التحتية ولكن في الواقع انه انهيار كامل لبنية المجتمع: إنسان اقتُلع من مكانه، طفل حُرم من غذائه ومدرسته، امرأة تُركت في فضاء عنف بلا حماية، وشباب دُفعوا إلى الجوع أو السلاح أو الهجرة. حرب الألف يوم تُقاس اليوم بالأرقام الثقيلة التي تفضح حجم الجريمة الممتدة: نزوح بالملايين، جوع واسع، تعليم منهار، حماية غائبة، ودولة تتآكل من الداخل.
ألف يوم كشفت الحقيقة العارية: ما يجري امتداد تاريخي لمسار دولة فشلت في حماية إنسانها، فاستسهلت تحويله إلى وقود للحرب. واليوم، بينما يدخل السودان يومه الألف في هذه المأساة، يظل السؤال معلقًا في وجه الجميع: إلى متى يُترك هذا البلد رهينة للعنف، الذي تديره الدولة المنحازة ونخبها من شمال السودان باستغلال موارد الشعوب السودانية لصالح التفكيك المجتمعي والاستعمار الداخلي؟ وإلى متى يُدفع الإنسان السوداني ثمنًا لصراع بلا أفق صُمِّم لتدميره؟
حتى الآن، أكثر من 11.8 مليون سوداني اقتُلعوا من بيوتهم قسرًا. منهم أكثر من 4.3 مليون، وفق بيانات UNHCR، عبروا الحدود، يحملون أسماءهم فقط، ويتركون خلفهم كل ما يربط الإنسان بالمكان من تاريخ وألفة ووعي وهوية وقيمة إنسانية. الداخل يعجّ بنزوح متكرر، بلا مأوى ثابت، وبلا حماية، وبلا نهاية منظورة.
في المقابل، يقف 30.4 مليون إنسان داخل السودان على حافة الاحتياج الإنساني الكامل وفق تقارير OCHA، في مشهد يكشف عجز الاستجابة الإنسانية. ومن بينهم 21 مليونًا يواجهون جوعًا حادًا وفق تقارير IPC، حيث دخلت مناطق بأكملها مثل دارفور وكردفان – جبال النوبة فعليًا نطاق المجاعة وفق التحليل المرحلي للأمن الغذائي. الجوع هنا سياسة حرب، وأداة كسر بطيئة.
الأطفال هم ساحة الجريمة الأكثر فداحة: مئات الآلاف يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وفي شمال دارفور وحدها سُجّلت معدلات تفوق كل الحدود الإنسانية المقبولة؛ نسب تجويع تعني أن الموت يتقدم على النمو، وأن الطفولة تُسحق قبل أن تكتمل.
وفي التعليم، يجري اغتيال المستقبل علنًا وبصورة مفضوحة تقودها مجموعة بورتسودان: من أصل 17 مليون طفل في سن الدراسة، عاد 3 ملايين فقط إلى التعليم، بينما أكثر من 9 ملايين طفل خارج المدرسة اليوم وفق تقارير UNICEF. جيل يُدفع قسرًا نحو الأمية والهشاشة والعنف والانفجار الاجتماعي المؤجل. كما حُرم 65٪ من التلاميذ من حقهم في الجلوس لامتحان الشهادة السودانية، في أقسى أشكال العقاب الجماعي المفروض على شعوب غرب وجنوب السودان، وفق تقارير لجنة المعلمين.
أما الحماية، فالصورة أكثر قتامة: 12.1 مليون شخص معرضون للعنف القائم على النوع الاجتماعي، نساء وفتيات تُركن بلا حماية في فضاء عنف مفتوح، وأطفال يُسجَّلون ضمن الانتهاكات الجسيمة، بما فيها التجنيد والاستخدام في القتال، في ظل إفلات شبه كامل من المساءلة.
تتضح الخلاصة القاسية بعد ألف يوم من الدم: مجموعة بورتسودان تتحمّل مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة عن إطالة أمد الحرب، عبر تعنّتٍ متواصل في الاستجابة لنداءات السلام، ورفضٍ منهجي لكل المبادرات المتوافق عليها، ثم تجاوزها بالقفز إلى منابر دولية، في وقتٍ تُعلن فيه تلك المنابر نفسها بوضوح الدعوة إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح المسارات الإنسانية دون قيود.
تحوّلت المساعدات الإنسانية، بقرار سياسي وأمني، إلى أداة عقاب جماعي. أُغلقت طرق الغذاء والدواء، واستُخدم الجوع كسلاح لكسر المجتمعات وإخضاعها. هذا المسار المرتبط بقيادة عبد الفتاح البرهان لم يكن عجزًا إداريًا أو ارتباكًا مؤقتًا، وإنما خيار واعٍ لمعاقبة المدنيين، وتكريس منطق السيطرة عبر الحرمان.
ترافقت هذه السياسات مع جرائم جسيمة موثقة: إبادة جماعية وتطهير عرقي في مناطق واسعة، واستخدام أسلحة محرّمة دوليًا، بما فيها السلاح الكيميائي وفق تقارير أمريكية رسمية موثّقة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية. هذه الوقائع تُرسّخ نمطًا من العنف المنظم الذي يستهدف المجتمعات على أساس الانتماء، ويعيد إنتاج الحرب كأداة حكم.
وفي السياق ذاته، فُعِّل ما يُعرف بـقانون الوجوه الغريبة كآلية قمعية للاعتقال والملاحقة والتصفية. استُخدم هذا القانون ضد النساء والأطفال وكبار السن، وتحول إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية على أسس عرقية وجهوية وإثنية، في مشهد يفضح تسييس العدالة وتفريغها من معناها.
هنا تتكشف طبيعة الحرب بلا أقنعة: دولة تُسخّر أدواتها لتفكيك المجتمع، وسلطة ترى في السلام تهديدًا لمعادلة بقائها، وتتعامل مع الحرب كوسيلة إدارة. استمرار هذا النهج يعني استمرار النزيف.
ألف يوم كافية لقول الحقيقة كاملة: كسر هذا المسار يتطلب تحميل مجموعة بورتسودان مسؤوليتها، وفتح الطريق أمام سلام حقيقي، ومسارات إنسانية غير مشروطة. دون ذلك، يظل السودان رهينة لعنف مُدار، وجريمة ممتدة، يدفع ثمنها إنسان أعزل.
الحكاية الأعمق من الحرب




