رأي

🟥 الحياد المفقود في زمن التضليل

عبدالرحمن أبو رندة...بنسلفانيا

 

عبدالرحمن أبورندة… بنسلفانيا 

 

“حين يُصاب الإعلام بالعمى الانتقائي، يصبح الخبر سلاحاً، لا وسيلة معرفة.”

الحرب في السودان لم تكتفِ بامتحان قدرة السلاح على الحسم، بل اختبرت صدق الكلمة وقدرة الإعلام على الصمود أمام رياح الانحياز. منذ اندلاعها في أبريل 2023، سقطت أقنعة كثيرة كانت تغطي وجوه القنوات الكبرى في المنطقة، فبان وجه الحقيقة بلا مساحيق. انكشفت مهنة يُفترض أن تقوم على النزاهة، فإذا بها تتحول إلى أداة اصطفاف، وتبدلت لغة المراسلين من لغة التوثيق إلى لغة التحشيد.

لقد بدا واضحاً أن ما يُعرض على الشاشات ليس تغطية، بل تسويق لرؤية محددة. لم تكن الكاميرات تبحث عن الصورة بل عن الزاوية التي تريح الممول والموقف السياسي. وفي مقدمة هؤلاء جاءت قنوات العربية والحدث والجزيرة، وقد خاضت جميعها معركة الرواية قبل أن تنتهي معركة السلاح. الكلمات ذاتها تتكرر: تحرير، دحر، سيطرة، تطهير، في مشهد يخلط بين البيان العسكري والنشرة الإخبارية.

“من يملك المنبر يملك الذاكرة، ومن يملك الذاكرة يكتب التاريخ.”

في كل تقرير، يمكن للقارئ الحصيف أن يشم رائحة الموقف أكثر مما يرى أثر المعلومة. كأن القنوات أصبحت مؤسسات دعائية تتنافس في من يقدّم المشهد بلونٍ أكثر انفعالاً لا أكثر دقة. فحين يغيب التحقق ويُستبدل به التهليل، تنتهي الصحافة وتبدأ الخرافة.

في نشرات العربية والحدث مثلاً، لم يعد واضحاً ما إذا كان المراسل ينقل الحدث أم يشارك فيه. الصوت مرتفع، الإيماءات مبالغ فيها، واللغة تحريضية لا تحليلية. اختفت المسافة بين الصحفي والحدث، وبين المعلومة والتأويل. بل أصبح الصحفي يدوّن ما يُملى عليه، لا ما يراه. إن هذا الانصهار بين الصحفي والسلطة يجعل الكلمة جزءاً من آلة الحرب، لا مرآةً لها.

“الصحفي الذي يكتب برغبة السلطة، لا يكتب للتاريخ بل على رمل السياسة.”

ليس الانحياز في ذاته جديداً على الإعلام، لكن الجديد هو مستوى التواطؤ مع الخطاب السياسي. تُعاد صياغة الأحداث لتلائم وجهة واحدة، وتُهمل تماماً الأصوات المغايرة، وكأن المشهد ليس حرباً متعددة الأطراف بل قصة أبطالها محددون مسبقاً. إنها ليست تغطية بل هندسة متعمدة للوعي العام؛ فحين تُكرر رواية واحدة بألف طريقة، تنقلب من احتمال إلى حقيقة في ذهن المتلقي.

لقد أصبحت الشاشة مصنعاً للوعي الموجّه، لا نافذة على الواقع. تُعرض اللقطات، وتُنتقى التصريحات، ويُعاد ترتيب السياق بحيث يبدو المشهد كما يريد المخرج لا كما حدث فعلاً. هنا يفقد الإعلام جوهره الأخلاقي، ويتحوّل من شاهد إلى صانع، ومن ناقل إلى محرّف.

“من خان الحقيقة مرة، صار الكذب لغته اليومية.”

النتيجة أن الجمهور فقد الثقة في الشاشة، وبدأ يبحث عن الحقيقة بين السطور، في الهامش لا في المتن. لم يعد ينتظر ما تقوله النشرات، بل ما تسكت عنه. هذه هي الكارثة الكبرى في زمن التضليل: حين يُصبح المشاهد أذكى من الإعلام، وأشد وعياً من الذين يفترض أنهم يوجّهونه.

لقد خلط الإعلام العربي بين الوطنية والولاء، وبين الموقف السياسي والواجب المهني. صار الخبر بياناً رسمياً، والتحليل خطبة تعبئة، والمذيع جندياً في معركة غيره. كل ذلك جعل الصحافة تفقد وظيفتها الأساسية: أن تقول ما هو صعب، لا ما هو مطلوب.

“الحياد لا يعني أن تساوي بين الضحية والجلاد، بل أن تسمي الأشياء بأسمائها.”

لكن رغم كل هذا الخراب، تبقى في المهنة بذور لا تموت. فالحقيقة، وإن خُنقت مؤقتاً، تملك دائماً طريقتها في النجاة. الإعلام الذي يبيع ضميره سيجد نفسه يوماً خارج ذاكرة الناس. أما الكلمة الحرة، فهي لا تُشترى ولا تُؤجر. إنها تظل واقفة، كمنارة في بحر من الأكاذيب.

وفي النهاية، الإعلام ليس سلاحاً بيد أحد، بل ضمير العالم. وحين يسكت الضمير، يتكلم الدمار.

“الكلمة الحرة لا تُهزم، لأنها آخر ما يبقى حين يرحل كل شيء.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!