رأي

🟫 الإعلام بين الهوى والمهنية الغائبة

سمية النور دهب

 

سمية النور دهب

“حين يتحدث الإعلام بلغة الحرب، يصمت الضمير بلغة الخوف.”

من يتأمل المشهد الإعلامي العربي اليوم، لا يحتاج إلى كثير من التحليل ليدرك أن ميزان المهنية اختل، وأن الحياد صار سلعة نادرة في سوق مكتظّ بالانفعال والتحيّز. الحرب في السودان كانت كاشفة، لا منشئة، لعلّةٍ قديمة تسكن في جسد الإعلام العربي: العجز عن مقاومة الإملاء السياسي. القنوات الكبرى — وفي مقدمتها العربية والحدث — لم تتعامل مع الحرب كحدث إنساني يستحق الإنصاف، بل كفرصة لفرض رواية واحدة، تُزيَّن بالعبارات المنمقة، وتُقدَّم في قالب يبدو احترافياً بينما هو في جوهره تحريضياً

كانت التغطيات تُبنى على صور مجتزأة، ومقاطع مأخوذة خارج سياقها، وتقارير تنزلق من الخبر إلى الموقف دون أن يرفّ جفن للمحرر أو المذيع. لم يكن المشاهد أمام إعلام يخاطب وعيه، بل أمام آلة نفسية تعمل على توجيه مزاجه. هكذا غابت الحقيقة خلف المؤثرات البصرية والمصطلحات المضللة: “سيطرة”، “تحرير”، “انتصار”، وهي كلمات تصلح للبيانات العسكرية أكثر من نشرات الأخبار.

“من يخلط بين الوطن والسلطة، سيكتب التاريخ بمداد الكذب.”

اللافت أن بعض الوجوه الإعلامية التي ملأت الشاشات ضجيجاً، تتحدث باندفاع لا يليق بالصحفيين بل بالمحاربين. الانفعال صار بديلاً عن الحجة، والصوت العالي أصبح مقياساً للوطنية. هذا التماهي بين المهنة والميل، بين المراسل والموقف، جعل المتلقي حائراً أمام سؤال بسيط: من يخبرني بالحقيقة؟

تراجع المهنية هنا ليس صدفة، بل نتيجة طبيعية لمناخ يربط الوظيفة الإعلامية بمصدر التمويل. فالسياسة تملي، والمذيع يطيع، والجمهور يبتلع. هذه السلسلة المأساوية جعلت الإعلام يتحول إلى خندق، لا منبر. ومن هذا الخندق تُطلق النعوت، وتُصاغ الأخبار كما تُصاغ الشعارات الانتخابية، بلغة الحشد لا بلاغة الفهم.

“حين يلبس الكذب ثوب التحليل، تصبح المعلومة جريمة مكتملة الأركان.”

الإعلام العربي لم يعد يبحث عن الحقيقة بل عن الإثارة. فكل دقيقة على الشاشة تقاس بعدد المشاهدات، لا بوزن المصداقية. ومن هنا صار الدم مادةً للبث المباشر، وصار الخراب مشهداً جاذباً تُعاد لقطاته مراراً حتى يتبلّد الإحساس. ولأن هذه الحرب صُنعت على أكاذيب، فقد وجدت من يغذّيها بأكاذيب أكبر. الإعلام لم يكتفِ بتضخيم الحدث، بل شارك في صياغة السردية الرسمية التي تبرّر الفشل وتُجمّل العجز.

في هذا المناخ المشوّه، يصبح الحديث عن الحياد نوعاً من الترف. فالقنوات التي تتغنى بالموضوعية لم تعد تعرف الفارق بين أن تنقل ما يحدث وأن تقول ما يُراد أن يُقال. إنهم يصنعون وعياً زائفاً، ويبيعونه للجمهور بوصفه الحقيقة المطلقة. لكن المتلقي اليوم لم يعد ذلك الكائن الساذج الذي يُقاد بالشعار، بل صار أكثر وعياً بما وراء الخبر. ولهذا بدأت الثقة تتآكل، وبدأت الشاشات تفقد بريقها أمام وسائل التواصل التي — رغم فوضويتها — صارت أقرب إلى نبض الناس.

“الحقيقة لا تموت، لكنها تتأخر في الوصول حين يُغلق الإعلام أبوابه في وجهها.”

إن ما تحتاجه منطقتنا ليس مزيداً من القنوات، بل قدراً من الشجاعة الأخلاقية. فالإعلام ليس مرآة للسلطة، بل ضمير المجتمع. وإذا استمر هذا الانحدار، فإننا سنستيقظ يوماً على مشهد إعلامي بلا ذاكرة، يبرّر كل شيء وينكر كل شيء في الوقت نفسه.

الحرب وضعت الجميع أمام امتحان القيم، والإعلاميون لم ينجحوا فيه بعد. فالصدق ليس ترفاً في زمن الفوضى، بل هو الحد الأدنى من الإنسانية. وإن كان الانحياز قد صار قدراً، فإن مقاومته تبقى مسؤولية كل قلم حرّ وكل شاشة ترفض أن تُستخدم كصدى للكذب.

“الكلمة التي تُكتب بضمير، تعيش أطول من رصاص يطلق بلا عقل.”

وفي نهاية المطاف، سيبقى الإعلام — رغم كل ما لحق به من شوائب — قادراً على استعادة عافيته متى ما استعاد إيمانه بأن المهنة ليست منصة لتصفية الحسابات، بل ساحة لإضاءة الحقيقة. وحين يعود الضمير إلى المهنة، سيعود المعنى إلى الكلمة، والاحترام إلى الشاشة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!