
فتحية ديدان
ظلّ بريقُ الشعارات الجاهزة وسكراب الإعلام المفبرك يعلو في فضاءٍ من التشويش، حتى أتت الوقائع لتسقط الأقنعة. فبينما انشغل كثيرون عن جوهر الأزمة بلعبوا لعبة تحويل الانتباه إلى قضايا سطحية، كشفت مآسي الميدان وجراح المدنيين حقيقةً واحدة لا تقبل التأويل: أن من أشعل الحرب وارتكب الجرائم هم من خططوا لاستثمار الخراب من أجل استعادة مواقع نفوذهم على حساب الدم والكرامة.
لم تكن مسألة الفاشر مجرد مشهدٍ إعلامي يمكن تلوينه وبيعه. لقد تحولت المدينة إلى مختبرٍ صار فيه الإنسان أسيرًا بين آلة تدميرٍ مسلحة وإعلامٍ لا يهمه إلا إعادة إنتاج سردية تصب في مصلحة الفاعلين الحقيقيين. وسواء أكان التشويه مقصودًا أم سهلًا، فإن الغياب الأخلاقي لمن يبررون أو يتبنون روايات مُصنّعة يعكس أزمة أعمق في مهنية الإعلام وضمير النخب.
الوقائع على الأرض تحدثت بأقسى لغاتها: مدارس ومستشفيات تحولت إلى ثكنات، نساء تعرضن لانتهاكات لا تُحتمل، وأطفالًا سقطوا ضحايا لسياساتٍ لم تعرف الرحمة. وليس أدلّ على ذلك من شهادات الأهالي التي كشفت كيف استُخدمت الأحياء السكنية دروعًا بشرية، وكيف انقلبت حياة المدينة إلى سردٍ من الدمار والخوف. وفي الوقت نفسه، تجلت ممارسات من نوع آخر؛ عمليات تطهيرٍ مجتمعي وإشعال فتائلٍ قبلية ومناطقية أدّت إلى تآكل النسيج الاجتماعي الذي طالما تميز به السودان من تعايشٍ وتشارك.
لقد نجحت دعاياتٌ سوداء في إخفاء كثيرٍ من الجرائم بإبراز مشاهدٍ منقوصة تُظهر طرفًا واحدًا في صورة المعتدي، لكنها فشلت حين اتساقت الأدلة وتجاوبت شهاداتُ الضحايا مع صور الواقع. العالم رأى، بل والأكثر أهمية أن أهل الفاشر احتكموا لضمائرهم وذاكرتهم الجماعية، فاتضح لهم من هو الفاعل ومن هو الضحية، وما هي الرواية التي بُنيت على مصالحٍ ضيقة وليست على حقائق.
التاريخ سيحكم وهو لا يرحم المتهربين من الحقيقة. أما السلام المنشود فلا يأتي عبر تضليل الناس، بل عبر اعتراف بالجراح ومحاسبة المجرمين واستعادة العدالة الاجتماعية كشرطٍ للصلح الحقيقي. وفي هذا المسار، يلزم لإصلاح المشهد الإعلامي والعملي العمل على ترسيخ مهنيةٍ تحترم الإنسان، وتكشف التضليل، وتمنح الصوت لمن لا صوت لهم.
اليوم، وبعد أن أحكمت الحقائق قبضتها على المشهد، يصبح السؤال المركزي: هل سنبني مستقبلًا على وعيٍ تعلّم من مأساة الماضي أم سنُعيد تدوير الخداع باسم الوطنية؟ الإجابة بيده الجمعيّة، وبضمير كل من يؤمن بأن السلام لا يُبنى على أكاذيب، بل على العدالة وكرامة الإنسان.




