
عبد الرحمن أبو رندة
درج البرهان في خطاباته الجوفاء على أن يقدّم نفسه باعتباره الحارس على وحدة السودان وسيادته وصون مؤسساته الوطنية، متحدثًا عن الانفتاح على أي جهود دولية أو إقليمية تهدف إلى إيقاف الأزمة، بشرط الحفاظ على “السيادة الوطنية”. لكن ما يقال في المنابر يتناقض تمامًا مع ما يحدث على الأرض؛ إذ يغلب على سياساته التبعية والتماهى مع مصالح خارجية، بينما يتغنى بالسيادة والوطنية وهو يسلم مفاتيح القرار لغيره.
السيادة ليست شعارات تُرفع، بل مواقف وأفعال تُثبت على الأرض. ومن أبرز الأمثلة على هذا التناقض ما يحدث في مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، حيث غاب أي موقف فعلي لحماية الأرض، بل على العكس، فإن الواقع يشير إلى تقليص القرار الوطني لصالح إرادات خارجية. هذا الانكشاف يجعل أي حديث عن السيادة الوطنية مجرد قناع يخفي التبعية الفعلية.
أما ما يسميه “المؤسسات الوطنية” فهو اختزال كامل للجيش والأجهزة الأمنية، وتحويلها إلى أدوات لحماية مشروع سياسي محدد، لا خدمة الوطن. فهذه المؤسسات، التي كان يفترض أن تكون جامعة لكل أبناء السودان، أصبحت حكرًا على فئة معينة تحمي بقاء البرهان في السلطة وتضمن استمرار نفوذ الحركة الإسلامية داخل الدولة، على حساب الشعب وسيادة الوطن.
ومن زاوية أخرى، فإن القاهرة تدرك أن وجود البرهان على رأس الحكم يخدم مصالحها الاستراتيجية، سواء في ملف المياه والنيل أو السيطرة على موارد السودان الطبيعية، كما أن غياب موقف دبلوماسي داخلي موحّد يزيد من هشاشة السيادة الوطنية، ويتيح لمصر استثمار هذا الواقع لتحقيق مصالحها بعيدا عن أي رقابة حقيقية.
وإذا قارنا خطاب البرهان بخطاب سلفه البشير، نلاحظ تكرارًا للغة الشعارات نفسها؛ فالبشير ظل يرفع شعار “السيادة الوطنية” في مواجهة الضغوط الدولية، بينما في الواقع كان يقدم تنازلات استراتيجية كبرى، بدءًا من اتفاقيات النفط والذهب، وصولًا إلى ملفات حساسة أدارها لصالح المصالح الخارجية. والسيادة في خطاب البشير كانت أداة للابتزاز الداخلي وشرعية زائفة، واليوم يكرر البرهان نفس النمط، ولكن بطريقة أكثر انكشافًا وخطورة.
إن جوهر المشكلة أن خطاب “السيادة” و”المؤسسات الوطنية” عند البرهان ليس أبدًا تعبيرًا عن إرادة وطنية حقيقية، بل مجرد غطاء لإطالة عمر الحكم واستدعاء شرعية خارجية وداخلية مزيفة. السودان اليوم أضعف وأكثر هشاشة، واستمرار هذا الخطاب المزدوج يهدد بتمزيق ما تبقى من وحدة الوطن وإعادة إنتاج تبعيته لصالح أطراف إقليمية، بدل أن يكون المواطن محور السيادة.
قال الفيلسوف الفرنسي فولتير: “الوطنية هي الملاذ الأخير للأوغاد.” ويبدو أن خطاب البرهان يجسد هذا القول؛ فهو يستخدم الوطنية والسيادة لتبرير خضوعه للغير، وتثبيت موقعه في السلطة، وإخفاء حقيقة تبعية القرار الوطني.
كما قال علي الوردي: “الاستبداد لا يعيش إلا في وطنٍ مريضٍ بالسكوت.” وهذا هو حال السودان اليوم، حيث تُدار المؤسسات باسم الوطنية والسيادة، لكنها واقعًا أدوات للحفاظ على امتيازات محددة وخدمة أجندات خارجية.
ونيلسون مانديلا يعلّمنا: “لا يمكن أن تكون هناك حرية حقيقية دون عدالة.” ومن هذه العدالة تبدأ إعادة بناء السيادة الحقيقية، ومن خلالها يُولد السودان الجديد — سودان الحرية والمساواة والعدالة، وطن لا تُدار مؤسساته بالوكالة، ولا تُباع أرضه، ولا يُختزل القرار فيه في خدمة قوى محددة.
السودان الذي يستحقه شعبه سينهض من تحت ركام هذه السياسات، بإرادة جماعية، وبوعي حقيقي يضع المواطنين في مركز القرار، بعيدًا عن خطاب شعارات جوفاء، ومنطلقًا نحو دولة عادلة، حرة، ومستقلة، تكون المواطنة أساسًا لحقوق وواجبات دستورية، حيث لا مكان للظلم والاستعلاء، ويعود الشعب محور السيادة الحقيقية.



