
سمية النور دهب .. دبلن
يعيش السودان منذ استقلاله مأزقًا تاريخيًا معقدًا بين قوى الحداثة وقوى التقليد، صراعٌ لم يكن يومًا مجرّد خلافٍ سياسي، بل هو صراع على معنى الدولة ذاتها، وعلى الكيفية التي ينبغي أن تُدار بها الحياة العامة. فمنذ اللحظة التي وُلدت فيها الدولة الوطنية على أنقاض الاستعمار، ظلّ العقل السوداني يتأرجح بين إرث القبيلة والطائفة، وبين حلم الدولة الحديثة التي تتأسس على المؤسسات والقانون. هذا التنازع العميق أنتج واقعًا مأزوماً ما زال يلقي بظلاله على كل محاولة للتغيير، إذ تعاقبت الأنظمة وسقطت الثورات، لكن بنية الدولة القديمة بقيت صامدة، تحميها المصالح والشبكات الاجتماعية التقليدية.
ففي جوهر الأزمة أن مشروع الحداثة في السودان لم ينبثق من قاعدة اجتماعية صلبة، بل حملته نخب مثقفة وجدت نفسها في مواجهة مجتمعٍ لم يتهيأ بعدُ لاستيعاب قيم الحداثة السياسية والفكرية. لم تستطع هذه النخب أن تجسر الفجوة بين المدينة والريف، ولا أن تتجاوز العُقد التاريخية التي تربط السلطة بالقبيلة والدين. فبدل أن تتجذر قيم المواطنة، تعمقت الولاءات الأولية، وباتت السياسة مرادفة للطائفة أو الجماعة لا للمبدأ أو المشروع. وهكذا ظلّت الديمقراطية تُختزل في صراعٍ بين كياناتٍ دينية وعشائرية، بينما بقيت مفاهيم الحكم الرشيد، والمساءلة، والمواطنة المتساوية مجرد شعاراتٍ تُرفع عند الأزمات.
لقد كانت قوى الحداثة في كل مرة تبحث عن خلاصٍ سريع من هيمنة القوى التقليدية، فتلجأ إلى الجيش بوصفه أداة للتغيير الجذري. لكن هذا المسار كان ينتهي دائمًا بانقلابٍ جديدٍ يُعيد إنتاج الأزمة من وجهٍ آخر. فالأنظمة العسكرية التي تولّت الحكم، وإن رفعت شعارات التطوير والتحديث، كانت تعيد في العمق بناء السلطة على ذات الأسس القديمة من الولاء الشخصي والجهوي، لتتحول الدولة الحديثة إلى غطاءٍ جديدٍ للعلاقات القديمة. وبينما تتبدل الوجوه، تبقى البنية ثابتة، ويستمر الانسداد.
تاريخ السودان الحديث هو إذن سلسلة من الدورات المغلقة: ديمقراطية قصيرة تُسلم نفسها لعسكرٍ يرفع راية الإنقاذ، ثم عسكرٌ يُسقطه الشارع في ثورةٍ مدنية تعود بدورها إلى الفوضى والانقسام. وفي كل دورةٍ من هذه الدورات يتراجع الوعي الجماعي، وتزداد الفجوة بين الحلم والواقع. فالمثقفون الذين حلموا بإقامة دولة مدنية حديثة وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أسرى للخطاب الشعبوي، أو مضطرين للتحالف مع قوى لا تؤمن أصلاً بمشروعهم.
إن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الرؤية، بل في غياب الإرادة الاجتماعية التي تحوّل الرؤية إلى واقع. فالحداثة ليست فكرة مستوردة تُفرض من الأعلى، بل مسار طويل يتطلب تحولات عميقة في الثقافة السياسية، وفي العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين الدولة والمجتمع. ولا سبيل لتجاوز هذا المأزق إلا عبر مشروع وطني جديد يؤمن بالتنوّع لا بوصفه عيبًا بل مصدر ثراء، ويستند إلى العدالة لا إلى المحاصصة، ويعيد تعريف الانتماء على أساس المواطنة لا العصبية.
ولعلّ ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيدًا من الشعارات، بل شجاعة مواجهة الذات. فكل محاولة للتغيير دون نقدٍ جذري للثقافة السياسية السائدة محكومٌ عليها بالفشل. إن الدولة الحديثة لا تُبنى بالبيانات ولا بالانقلابات، بل بالوعي الجمعي الذي يدرك أن الحرية لا تُمنح، وأن العدالة لا تأتي من فوق، بل تُنتزع بإرادةٍ اجتماعية مؤمنة بالمستقبل. لذلك فإن الخروج من هذا المأزق التاريخي يتطلب ولادة جيلٍ جديدٍ من المفكرين والسياسيين يعيدون تعريف العلاقة بين القوة والمعنى، بين التاريخ والمصير، ويؤسسون لمستقبلٍ يليق بتضحيات السودانيين وآمالهم.




