رأي

الحقيقة المغيبة عن سعادة السيد الوزير: عندما تُستبدل الوقائع بالسرديات الإعلامية

د. إبراهيم مخير

 

بقلم : د. إبراهيم مخير

مستشار القائد العام لقوات الدعم السريع

نعم، لا يجب الصمت أبدًا. لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام التصريحات السلبية التي أدلى بها سعادة السيد ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، حول قوات الدعم السريع.

إن من واجبنا الوطني والأخلاقي أن نوضح الحقائق بموضوعية، وأن نرد بقوة تستند إلى الأدلة والبراهين، وبحكمة دبلوماسية تحترم العلاقات الدولية دون أن تفرّط في الحقيقة.

الرد بالقوة لا يعني الانفعال أو التصعيد، بل يعني الاعتماد على الحقائق الميدانية الموثقة التي تثبت بوضوح أن قوات الدعم السريع لم تكن يومًا عامل فوضى أو دمار، بل كانت ولا تزال أحد الأعمدة الوطنية لحماية المدنيين والمجتمعات المحلية والاقليمية. ومن المهم التذكير ان عقيدة قوات الدعم السريع القتالية لم تبني علي فكرة الاعتداء بل كانت اهم مهامها موجهة الي صنع الاستقرار وتثبيت الامن اذ كانت تجوب الفيافي لمكافحة الإرهاب وتهريب البشر والجريمة المنظمة عبر الحدود، في تعاون مباشر مع أجهزة أمنية دولية وإقليمية، ونالت لذلك وعلي ذلك إشادات من شركاء دوليين في هذا المجال الحيوي.

أما المؤسسة العسكرية التقليدية – الجيش، التي تُقدَّم اليوم في بعض الدوائر على أنها مؤسسة ورمز الانضباط الوطني، فقد أصبحت للأسف بؤرة للفوضى والتطرف، تتغلغل فيها تيارات أيديولوجية متشددة تستغل الجيش كأداة سياسية بدل أن يكون مؤسسة مهنية خالصة.

إن هذه الحقيقة يعرفها الجميع ممن تابعوا تاريخ الانقلابات والصراعات داخل المؤسسة العسكرية منذ عقود ومن ملاحظة السعي الشرس للسلطة اليوم.

إن امتثال قيادة قوات الدعم السريع للمبادرات الأفريقية والعربية والمحلية للسلام أمر لا يمكن إنكاره، وقد تجاوبت القيادة مع كل الدعوات الهادفة لوقف إطلاق النار وإتاحة الفرصة للحوار الوطني لكن امتثالنا للهدنة التي تدعو لها المبادرة الرباعية لا يعني أن نجلس وننتظر الموت — (sitting duck)، بل يعني أننا نحترم التزاماتنا بالتوازي ما احترم الطرف الآخر التزاماته ونسعى للحل السياسي للحرب ، مع احتفاظنا الكامل بحق الدفاع المشروع عن النفس وعن المدنيين في طرفنا ضد أي اعتداء.

لكن الطرف الآخر لم يعلن حتي موافقته رسميا علي الهدنة كما فعلنا نحن.

ان هذه التصريحات غير عادلة تماما ولا تشجع علي السلام اذ تحث الطرف الاخر علي التمادي في غيه والكذب والتضليل كسياسة تؤتي أؤكلها .

وفي هذا السياق، يجب أن نلفت النظر إلى أن الأعداد المبالغ فيها للنازحين التي توردها بعض المنظمات لا يمكن اعتبارها معلومات موثقة ، إذ تسعى بعض الجهات إلى تضخيم الأرقام للحصول على التمويل الأمريكي الذي حرمهم منه الىئيس ترامب في سياساته التصحيحية ، فهل من العدل ان يدفع الدعم السريع الثمن ؟.

أن كثيرًا من الخبراء الذين يروّجون لهذه الأرقام والانتهاكات التي لم تحدث لم يغيروا من رواياتهم منذ عام 2003، إبان أحداث دارفور، في وقتٍ لم تكن فيه قوات الدعم السريع قد وُلدت بعد. هذه إسقاطات من الماضي على الحاضر، تُستغل سياسيًا وإعلاميًا لأغراض التكسب لا غير.

وفي كل الحالات التي أُثيرت فيها مزاعم تجاوزات، لم تتغاضَ قوات الدعم السريع عنها، بل شكّلت لجان تحقيق مستقلة ومحايدة، وتم القبض على المتورطين وتقديمهم للعدالة. هذه الشفافية في المساءلة تؤكد أن الدعم السريع مؤسسة نظامية مسؤولة، لا تبرر الأخطاء بل تواجهها بالقانون. أو ليس من الافضل تقديم يد العون بالدعم اللوجستي والفني بدلا عن توجيه صوت اللوم؟

ومن المحرج تذكير السيد الوزير خطورة الاعتماد علي الأخبار الزائفة (Fake News) التي حذّر منها الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بنفسه، وهي اليوم تُستخدم لتضليل الرأي العام العالمي حول ما يجري في السودان. كثير مما يُنشر عبر وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية لا يقوم على تقصٍ ميداني أو تحقيق مستقل، بل على مصادر منحازة تخدم أجندات معينة.

ومن هذا المنطلق، ندعو المجتمع الدولي، وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، إلى زيارة مدينة الفاشر والاطلاع ميدانيًا على الحقائق كما هي على الأرض، لا كما تُصاغ في الغرف الإعلامية المغلقة.

السودان لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه، بل إلى من يستمع إليه بإنصافٍ وشجاعةٍ واحترامٍ للحقيقة.

وفي الختام، نوجّه دعوة صادقة للحكومة الامريكية للمكاشفة والشفافية والتواصل المباشر لحل القضايا العالقة ، بنفس روح الشجاعة والمبادرة الخلّاقة التي عوّدتنا عليها الإدارة الأمريكية الأخيرة في تعاملها مع ملفات السلام في العالم.

إننا نؤمن بأن الحقيقة، مهما حوربت، ستظل أقوى من الدعاية، وأن الحوار الصادق هو الطريق الوحيد نحو سلامٍ عادلٍ ومستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!