
مؤيد الأمين
منذ اللحظة الأولى لسقوط نظام عمر البشير، بدا المشهد السياسي السوداني وكأنه يسير على خطّين متوازيين: خط الثورة التي قدّمت الدماء والعرق والدموع بحثًا عن دولة جديدة، وخط بقايا النظام الإسلاموي التي ظلت تعمل في الخفاء والعلن لتفكيك أي محاولة جادة لبناء انتقال ديمقراطي. وبين هذين الخطين، وجدت قوى الحرية والتغيير نفسها أمام مهمة معقدة: إدارة تفاوض مع مؤسسة عسكرية تُمسِك بالسلاح من جانب، وبها نفوذ الإسلامويين المتجذّر من جانب آخر.
لكن فجأة، تحولت لحظة التفاوض هذه إلى ساحة هجوم إعلامي شرس. اتُّهِمت “قحت” بالخيانة، وببيع دم الشهداء، وبالتخاذل أمام العسكريين. ونجحت ماكينة إعلامية ضخمة في تحويل عملية سياسية معقدة إلى “إدانة أخلاقية” مستمرة ضد القوى المدنية، رغم أن الظروف كانت تشير بوضوح إلى أن تجاهل المجلس العسكري في تلك اللحظة كان يعني ببساطة فتح الباب على حرب شاملة. وهكذا بدأت واحدة من أخطر مراحل الثورة: مرحلة الاحتيال والانقسام.
لماذا جلست قوى الحرية والتغيير مع العسكر؟
لنفهم حملة التشويه، يجب أولًا أن نفهم طبيعة الموقف السياسي آنذاك.
بُعيد سقوط البشير، كان المجلس العسكري يسيطر على:
1. السلاح.
2. الاقتصاد ومفاصل الدولة.
3. شبكات النفوذ التي زرعها الإسلامويون داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لعقود.
هذا الواقع جعل أي محاولة لتجاهل المجلس العسكري تعني ببساطة المخاطرة بدفع الثورة نحو العنف. فالعسكر كانوا الطرف الذي تصوّب بنادقه مباشرة نحو المعتصمين، وكانوا في نفس الوقت الطرف الذي يملك القدرة على فرض واقع جديد بالقوة.
أمام هذا التعقيد، رأت قوى الحرية والتغيير أن التفاوض ليس خيارًا سياسيًا، بل واجبًا تحوّطيًا لحماية الثورة. فالهدف لم يكن التحالف مع العسكر، بل تحييدهم، أو على الأقل دفعهم نحو انتقال يُدار بقدر من الرقابة الشعبية.
ومع أن كثيرًا من الثوار لم يتقبلوا هذا القرار، إلا أن تلك اللحظة كانت تحكمها حسابات تتجاوز الشعارات. لم تكن معركة هتافات، بل معركة بقاء للثورة نفسها.
الإسلامويون… ماكينة الاحتيال المنظمة
في تلك اللحظة الحساسة، استغلّ الإسلامويون فوضى المشهد، وبدأوا في تنفيذ واحدة من أكبر عمليات الاحتيال السياسي والإعلامي في تاريخ السودان.
1. “نحن مع الثورة”… الكذبة الذهبية
رغم أنهم كانوا خصوم الثورة الأوائل، ورغم أن الجماهير أطاحت بهم بوضوح، تحرك التيار الإسلاموي بسرعة لخلق رواية جديدة: أنهم أيضًا يريدون “ديمقراطية”، وأن قحت “سرقت الثورة”.
بدأت عشرات الحسابات والصفحات والوسائل الإعلامية في ضخ رسائل يومية:
“قحت باعت الدم”.
“قحت تواطأت مع العسكر”.
كان الهدف بسيطًا: مصادرة ثقة الشارع من القوى المدنية.
2. صناعة الانقسامات داخل الثورة
استخدم الإسلامويون تكتيكًا شديد الذكاء: تحويل كل اختلاف سياسي بين قوى الثورة إلى صراع وجودي.
كل نقاش بسيط حول:
شكل الحكومة.
نسب التمثيل.
العلاقة مع العسكر.
إعلان دستوري أو وثيقة.
كان يُحرَّف فورًا إلى معارك:
“من باع الثورة؟”
“من خان الشهداء؟”
“من انحاز للعسكر؟”
وبينما كانت الثورة تحتاج إلى التماسك، كان التيار الإسلاموي يبني جيشًا من الأصوات التي مهمتها إشعال الخلافات، وتضخيم الأخطاء، وزرع الشكوك بين مكونات الثورة. بعض هذه الأصوات كان واضح الانتماء، لكن بعضها كان متنكرًا في هيئة “ثائر غاضب” أو “وطني محايد”، وهذا ما جعل ضربتهم أكثر تأثيرًا.
3. صناعة النسخة المزوّرة: “قوى الحرية والتغيير – الديمقراطية”
واحدة من أخطر الخطوات التي قام بها الإسلامويون هي إنشاء جسم سياسي يحمل نفس اسم الحاضنة الأصلية تقريبًا، مع إضافة كلمة واحدة فقط: “الديمقراطية”.
هذا الانتحال لم يكن بريئًا. كان محاولة واضحة لخلط الأوراق، وإرباك الرأي العام، وخلق حالة من الشك في القيادة المدنية الأصلية. بدا الأمر وكأن هناك “قحت أصيلة” و“قحت بديلة”، بينما الهدف كان واضحًا:
إغراق المشهد بكيانات مشوهة لتفكيك مركز الثورة.
هذا الأسلوب ليس جديدًا على الإسلامويين. لقد استخدموه سابقًا داخل النقابات، والاتحادات، والمنظمات، وحتى داخل أجهزة الدولة. يخلقون جسمًا موازياً، يخلطون الأوراق، ثم يقدّمون أنفسهم كبديل “عقلاني” أو “وطني”.
4. التضليل الإعلامي الممنهج
امتلك الإسلامويون أدوات إعلامية ضخمة:
قنوات.
مواقع إلكترونية.
كتائب إلكترونية.
خلايا داخل بعض المؤسسات الرسمية.
وبدأ خطاب محكم يضخ رسائل مضلِّلة:
التركيز على أخطاء قحت وتضخيمها.
تجاهل أو تبرير جرائم العسكر.
تشويه أي خطوة إصلاحية.
صناعة بطولات وهمية لأشخاص خدموا النظام السابق.
نشر الشائعات التي تستهدف الثقة بين قوى الثورة.
ومع انتشار وسائل التواصل، كان من السهل إسقاط الفكرة في وعي الشباب دون أن يدركوا أن مصدرها كتائب إعلامية.
5. ضرب الدعم الشعبي لقحت في لحظة حساسة
كان الإسلامويون يعرفون أن تفكيك دولة التمكين يحتاج إلى وقت وقوانين واستقرار سياسي. لذلك كان عليهم ضرب الحاضنة السياسية قبل أن تبدأ عملية التفكيك بجدية.
وبالفعل، نجحت حملة التشويه في:
إضعاف السند الشعبي لقحت.
تشجيع التباعد بين لجان المقاومة والقوى السياسية.
تحويل أي خلاف صغير بينها إلى عداء كامل.
إضعاف الحكومة الانتقالية.
وبمجرد أن أصبح المشهد مرتبكًا، عاد الإسلامويون للعب الدور الذي يجيدونه:
خلق الفوضى، ثم اقتناص السلطة من داخلها.
الثمن كان باهظًا… على الثورة وعلى السودان
حين يتصارع المدنيون، يتقدم العسكريون.
وحين تنقسم القوى الديمقراطية، يتسلل الإسلامويون.
وحين يرفض الثوار التوحد، تضيع الثورة نفسها.
لقد دفع السودان ثمنًا باهظًا:
انقسمت قوى الحرية والتغيير.
تشتتت لجان المقاومة.
تمدد النفوذ العسكري.
انفجرت الحرب الحالية التي مزّقت البلاد.
هذه الفوضى لم تكن صدفة، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية مرسومة بعناية: اضرب القيادة المدنية… تَسقُط الثورة.
نداء للثوار… قبل أن يبتلعنا الطوفان
اليوم، وبعد كل الدماء التي سالت، وبعد الخراب الذي عمّ المدن والقرى، وبعد أن اكتشف الشباب حجم التلاعب والاحتيال الذي مورس عليهم، يصبح السؤال الأهم:
هل نستمر في نفس الأخطاء؟ أم نتوحد؟
الثورة ليست ملك حزب، ولا تيار، ولا جسم سياسي.
الثورة ملك الناس… ملك الذين ماتوا من أجلها… ملك الذين ما زالوا يحلمون بوطن حر.
ولا يمكن لحلم بهذا الحجم أن ينتصر إذا بقيت قواه مبعثرة.
نداء واضح وصريح:
يا ثوار ديسمبر…
يا لجان المقاومة…
يا القوى المدنية…
الوطن يحترق… والعدو واحد… والسلاح واحد… والرصاصة التي قتلت أطفالنا لم تسأل عن الانتماء السياسي.
توحدوا خلف شعارات الثورة:
حرية
سلام
عدالة
فهي ليست شعارات سياسية… بل صرخة بقاء.
والثورة لن تنتصر إلا عندما تدرك أن خصمها الحقيقي ليس رفاقها في الشوارع، بل قوى الظلام التي هدمت وطنًا كاملًا كي لا تسقط سلطتها.
الوحدة ليست خيارًا…
الوحدة هي النجاة الأخيرة.




