
خضر كوة
حين تُستغل الحرية لإشعال الحروب، تفقد معناها… وتتحول إلى خطر
في عالمٍ يفترض أنه تعلّم من دروس الماضي، تبرز مفارقة خطيرة تستدعي الإدانة الواضحة: أفرادٌ يعيشون في كنف الديمقراطيات الغربية، يتمتعون بالحماية والحقوق والإعانات، ثم يستخدمون هذه المساحة الآمنة للتحريض على استمرار حربٍ مدمرة في السودان، وتقويض الجهود الدولية الرامية إلى إيقافها.
لقد أصبح من اللافت، عبر مقاطع فيديو موثقة ونشاط علني متزايد داخل عدد من الدول الغربية، أن هناك مجموعات تتحرك بأسماء لافتة، لكنها في كثير من الأحيان لا تمتلك وجودًا حقيقيًا خارج فضاء الإعلام ومنصات التواصل. وتُطرح في هذا السياق مسميات مثل “منتدى شعب جبال النوبة”، و“تحالف جبال النوبة”، و“شبكة جبال النوبة”، إلى جانب ما يُعرف بـ“لجنة دعم الجيش معنويًا” و“لجنة دعم الجيش السوداني”، والتي يُشار إلى انتشارها في عدة دول، وتحركها عبر شبكات منظمة تهدف إلى تعبئة الأنصار والدفع باتجاه استمرار الحرب، أحيانًا عبر خطاب يبرر العنف أو يشجّع عليه.
كما تتحدث اتهامات متداولة عن ارتباط بعض هذه الأنشطة ببيئات قريبة من عمل السفارات السودانية في تلك الدول، التي يُفترض أن يقتصر دورها على العمل الدبلوماسي، لا أن تتحول بأي شكل من الأشكال إلى منصات تعبئة سياسية أو أيديولوجية. غير أن ما يُثار يشير إلى تجاوز هذا الدور، وتحويل هذه المساحات إلى أدوات للاستقطاب والحشد.
هذه المجموعات، وفق ما يُتداول، لا تكتفي بمعارضة جهود السلام، بل تعمل بشكل ممنهج على خلق روايات مضللة، وتغذية خطاب أيديولوجي يعيد إنتاج مشاريع فشلها التاريخ في السودان. والأخطر أنها تفعل ذلك من داخل مجتمعات وفّرت لها الأمان والحرية، في تناقض أخلاقي صارخ يثير تساؤلات عميقة حول حدود استخدام هذه الحريات.
ورغم هذا المشهد، تبرز في المقابل مواقف إيجابية لدول عديدة، على رأسها ألمانيا، التي لعبت دورًا محوريًا في دعم جهود السلام، عبر استضافة مؤتمرات ومبادرات سياسية تهدف إلى وقف الحرب وبناء مسار مستدام للاستقرار. كما تمتد التحية إلى الدول التي تضع الإنسان وكرامته في صدارة أولوياتها، وتسعى بجدية إلى إنهاء المعاناة في السودان.
لكن استمرار نشاط هذه المجموعات دون مساءلة يهدد بتقويض تلك الجهود نفسها. فحين تتحول الحريات إلى أدوات لنشر التطرف، وحين تُستغل أنظمة اللجوء لبناء شبكات دعم للصراع، فإن الخطر لا يظل محصورًا في السودان، بل يمتد إلى داخل هذه المجتمعات.
إن الدعوة—الصريحة أو الضمنية—لاستمرار الحرب لا يمكن اعتبارها مجرد رأي سياسي مشروع، بل هي مساهمة مباشرة في إطالة أمد المأساة الإنسانية. فلا فرق، من حيث الأثر، بين من يحمل السلاح ومن يبرر استخدامه من خلف الشاشات؛ كلاهما يغذي دائرة العنف ذاتها.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مراجعة جادة لآليات منح اللجوء، ومتابعة الأنشطة السياسية والإعلامية لبعض الأفراد والجماعات، ليس بهدف التضييق على الحريات، بل لحماية المجتمعات من خطاب متطرف قد يتحول إلى تهديد أمني حقيقي إذا تُرك دون رقابة.
إن الرسالة اليوم يجب أن تكون واضحة: حماية حق اللجوء لا تعني حماية من يسيء استخدامه، والدفاع عن الحريات لا يعني السماح بتوظيفها لنشر العنف. ودعم السلام في السودان لن يكتمل إلا بمواجهة كل من يسعى، من أي موقع، إلى عرقلته.
إنها دعوة للانتباه قبل فوات الأوان، والتحرك المسؤول قبل أن تتحول هذه الظاهرة إلى أزمة أوسع—أزمة لا تهدد السودان وحده، بل تمتد آثارها إلى العالم بأسره.



