رأي

في معنى الأحكام الغيابية، وفي معنى الحضور الشعبي

د.الوليد مادبو

دكتور الوليد آدم مادبو

تُجمعُ تجاربُ الفكر الإنساني، من روسو إلى مونتسكيو، على أن العدالة ليست مجرّد أحكامٍ تُتلى، بل هي شرطُ الحرية، وعمودُ كيان الإنسان. وقد نبّهت حنّا آرندت إلى أنّ الحرية تُغتَصَبُ لحظة يُستغلّ القانون ضدّ غايته، وأنّ الدولة تفقد روحها حين يُفرَّغ القضاء من جوهره الأخلاقي ويُستخدَم وسيلةً لتصفية الخصوم.

ومن هذا الباب أتناول ما جرى لي لا كواقعة شخصية، بل كمرآة لمعاناة شعبٍ بأكمله. فالحركة الإسلامية التي ما فتئت تتخفّى خلف خطاب الدين والوطنية استعانت بكل ثغرةٍ ممكنة لتغييب أصوات المناضلين، ولسحق الكلمة الحرّة بعيدة عن سياقتها الثقافية والسياسية والاجتماعية، ولتحويل القانون إلى أداة تعوّض لهم ما خسروه في ميدان السياسة والأخلاق.

إنهم يدركون أن سقوطهم يبدأ بسقوط شرعيتهم الزائفة، وأن سقوط شرعيتهم يبدأ بكلمةٍ تُقال في العلن، ولذلك يلاحقون الأقلام كما ظلوا يلاحقون الثائرات بين المتاريس وفي وسط الحارات.

وإذا كان الحكم الذي صدر ضدي قد جاء في سياقٍ سعوا لصنعه، فإنني لست سوى حلقة في سلسلة أطول بكثير: سلسلة استهداف الشعب نفسه. فالإبعاد الحقيقي هو ما فعلوه بالناس حين شرّدوهم من منازلهم، ودفعوهم إلى اللجوء، وحاصروهم بين الجوع والخوف، والسجن الحقيقي هو جعلهم من الوطن زنزانةً كبرى لا مفاتيح لها إلا في أيدي قادة الميليشيات. والغرامة الحقيقية ليست في ورقةٍ تُسدَّد، بل في مدخرات أُحرقت، وموارد نُهبت، وبلادٍ أُغرقت في حربٍ شنّوها ليستعيدوا سلطةً فقدوها، ويحموا أنفسهم من مساءلةٍ قادمة.

إنني ممتنّ لتعاطف أبناء الوطن، لكنني أدعوهم أن يصرفوا هذا التعاطف نحو أنفسهم أوّلًا: إلى فهم محنتهم، إلى وعي أصل الداء. فالهجوم على الأقلام والمناضلين، من قبلي ومن بعدي، هو محاولةٌ لتجريد الشعب من آخر أسلحته: الوعي، الحلم، القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.

لقد بلغت الحركة الإسلامية نهاية الطريق؛ فقد ضاق عليهم ما اتّسع بالأمس، وتهاوت شعاراتهم التي طربوا لها، فإذا بهم اليوم يستنجدون بالرئيس الأمريكي لا طلبًا للنجاة العامة، بل فرارًا من حسابٍ سيأتي لا محالة. لقد بدت عليهم علامات المنافقين: يخشون الناس واللهُ أحقّ أن يُخشَوه.

أيها الشعب، ليس اليأس قدرًا، ولا القنوط مخرجًا. إنّ الشجاعة، كما قال القدماء، صبرٌ على الخوف حتى يتحوّل إلى نور. وما ضاعت أمةٌ تمسّكت بصبر ساعة، وظلّت تُجدّد نضالها مهما طال الليل.

لا مستقبل للسودان إلا باقتلاع دولة الإخوان المسلمين الكيزان المفسدين، وتحرير أرضه من خطاب العنف، وتطهير مؤسساته من الفساد، وإعادة الحق إلى أصحابه، وبناء وطنٍ لا مكان فيه للمستترين بالليل ولا للمتاجرين بالدين.

ختامًا، أقولها بوضوح لا يعرف المواربة: سأواصل نزالهم، وأفضح مشاريعهم، وأدافع عن هذا الشعب بقلمي ولساني وعقلي وضميري، حتى يستقيم العدل، ويعود الوطن إلى أهله، وتُرفع راية الحرية فوق أرضٍ تستحقّها. فقد علّمنا التاريخ أنّ الأمم لا تنهض حين يتراجع المناضلون، بل حين يتقدم الشعب كله خطوةً واحدةً نحو الضوء، خطوةً واحدةً نحو الكرامة، خطوةً واحدةً نحو وطنٍ حرّ لا سلطان فيه إلا للحق.

كسرة في الحلقات القادمة، سنسلّط الضوء على عرّابة ملف الفساد، السيدة السفيرة التي وقّعت — نيابةً عن حكومة السودان — على القروض المبرمة مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (IFAD)، وهي قروض بلغت قيمتها ملياراتٍ لم يَرَ منها الشعب السوداني درهمًا واحدًا.

سنفعل ذلك ليقف الجميع على حجم التشابك بين الفساد المحلي ونظيره الإقليمي والدولي، مع احتفاظنا بكامل الوثائق والمستندات، وتقديمها للعدالة الدولية في الوقت المناسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!