
سمية النور دهب
في خضم التصعيد الأخير ورفض قيادة الجيش السوداني لأي حلّ سلمي أو مبادرة دولية، تتضح معالم واقع لا يمكن تجاهله بعد اليوم: الجيش ليس مؤسسة مستقلة كما يُروّج، بل تحوّل – عمليًا وسياسيًا وخطابيًا – إلى الذراع العسكري للحركة الإسلامية، حتى بات الفصل بين الموقفين مستحيلًا إلا من باب المجاملة. فكل تصريح، وكل موقف، وكل تصعيد، يحمل بصمة واحدة وإيقاعًا واحدًا يشير بوضوح إلى أن “الجيش” و“الحركة” هما وجهان لعملة واحدة.
إن تطابق خطاب القيادة العسكرية مع خطاب علي كرتي وقيادات الحركة الإسلامية ليس مجرد صدفة، بل هو دليل على أن المؤسسة التي يفترض أن تكون عماد الدولة قد أصبحت محاصرة بالكامل داخل مشروع أيديولوجي. فحين يخرج الجيش بموقف رافض للرباعية الدولية في اليوم ذاته الذي تهاجم فيه الحركة الإسلامية “مؤامرات الخارج”، وحين يكرر القائد العام مفردات الإسلاميين عن “الكرامة” و“التهديد الخارجي” و“المؤامرة الدولية”، يصبح السؤال مشروعًا: مَن يكتب خطاب من؟
وما يزيد احتمال هذا الارتباط المتجذّر هو ردة الفعل العنيفة على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تعمل على تصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابية. فالمتابع للمشهد يلاحظ أن لغة المؤسسة العسكرية بعد هذا الإعلان تحوّلت إلى دفاع أيديولوجي عن الحركة الإسلامية أكثر مما هي دفاع عن دولة. وهذا وحده يشي بأن القلق الحقيقي ليس على مستقبل السودان، بل على مستقبل التنظيم الذي يُعد الجيش أحد أهم أذرعه التاريخية.
لقد أثبتت السنوات الماضية، وتحديدًا منذ اندلاع الحرب الأخيرة، أن الإسلاميين استعادوا مواقعهم داخل البنية العسكرية من خلال ضباط موالين، وكتائب ذات صبغة دينية، وآليات تأثير في القرار العسكري. ولذلك فإن أي حل سياسي يعني بالضرورة العودة إلى إصلاح المؤسسة العسكرية، وهو الإصلاح الذي تخشاه الحركة الإسلامية وتقاومه بشراسة لأنه سيجفف أكبر مصادر قوتها.
إن البيئة التي تُدار فيها العمليات العسكرية اليوم ليست بيئة جيش احترافي، بل بيئة توجيه عقائدي، تُستخدم فيها الحرب كغطاء لإعادة تمكين المشروع الذي أسقطته ثورة ديسمبر. وما رفض السلام إلا تجسيد لخوف هذه الجماعات من أن يؤدي أي وقف للقتال إلى فتح ملفات النفوذ والتمويل، وإلى إعادة هيكلة الجيش بما يُنهي حضور الإسلاميين داخله.
لذلك، يرى عدد متزايد من الخبراء أن استمرار هذا الاندماج بين الجيش والحركة الإسلامية يجعل من المقاربة الدولية الحالية غير كافية. فالحركة الإسلامية – في نظرهم – لم تعد مجرد تنظيم سياسي، بل أصبحت تقود مؤسسة مسلحة وتدفعها إلى صدام دائم مع الداخل والخارج، الأمر الذي يرقى إلى مستوى التصنيف كمنظومة إرهابية. فكيف يمكن فصل الجيش عن الحركة، وهما يتحركان بذات الخطاب، ويرفضان السلام بالمنطق ذاته، ويديران الحرب وفق ذات الأجندة؟
إن السودان لن يستعيد سيادته ولا سلامه ما لم تُعاد هيكلة المؤسسة العسكرية وإخراجها من قبضة الإسلاميين. لأن بقاء الجيش داخل هذه الهيمنة يعني بقاء الدولة داخل دوامة حرب لا تنتهي، وصراع لا يخدم سوى مشروع واحد: مشروع الحركة الإسلامية في ثوب عسكري.
السؤال الآن ليس: هل الجيش مخترق؟
بل: هل بقي ما ليس مخترقا



