تصريحات البرهان بين سردية الدولة الوطنية وضغوط الحرب والتحالفات المتغيرة
لواء ركن دكتور مهدي الأمين كبة

اللواء ركن د. مهدي الأمين كبة
تأتي تصريحات الفريق أول عبد الفتاح البرهان في لحظة مفصلية تتشابك فيها أزمات الداخل مع رهانات الإقليم وضغوط المجتمع الدولي، بينما يواصل السودان انزلاقه نحو أزمة وطنية غير مسبوقة بفعل الحرب التي اقتربت من عامها الثالث. هذه التصريحات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الانهيار المتسارع لمؤسسات الدولة، وعن تعدد مراكز النفوذ، وعن محاولات الأطراف المختلفة إعادة صياغة الشرعية في ظل واقع يتغير بسرعة ويفتقر إلى مرجعية وطنية موحدة.
في الداخل، تتواصل الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، مخلفة دماراً واسعاً ونزوحاً جماعياً وجرائم ذات طابع إثني وانهياراً كاملاً للمرافق الحيوية. ورغم هذه الكارثة الممتدة، يسعى البرهان إلى تقديم نفسه بوصفه حامي الدولة الوطنية، وقادراً على إعادة الأمن وبسط سلطة القانون. إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك، فالمؤسسة العسكرية التي يستند إليها فقدت السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد وعلى الموارد الحيوية، وتورطت في انتهاكات تقلل كثيراً من أي ادعاء بالقدرة على حماية الدولة أو تمثيلها. فشعار الدولة الوطنية الذي يرفعه البرهان يبدو اليوم أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى حقيقة قائمة على الأرض، في ظل التآكل الكامل لمؤسسات الدولة وتعدد الجيوش والولاءات.
على المستوى الإقليمي، يلجأ البرهان إلى لعبة التحالفات المتغيرة، مستنداً على تقارب واضح مع مصر التي تنظر بقلق بالغ إلى تقدم قوات الدعم السريع وسيطرتها على دارفور وكردفان، وتخشى من أي ترتيبات جديدة قد تمس أمن وادي النيل. وفي المقابل، تشكل التوترات المصرية–الإماراتية أحد أهم العوامل التي جعلت الساحة السودانية مركزاً لصراع نفوذ لا يخضع لحسابات السودانيين وحدهم. كما حاول البرهان التخفيف من أثر الجهود السعودية في الوساطة عبر إظهار مسافة سياسية من الرياض، بينما يعزز في الوقت نفسه صلاته بموسكو، مستفيداً من رغبتها في إيجاد موطئ قدم على البحر الأحمر وبورتسودان. هذه التحركات لا تعبّر عن رؤية استراتيجية متماسكة بقدر ما تعكس محاولة للاستقواء بالخارج لضمان البقاء، وهو نهج لا تنتج عنه سوى مزيد من الارتهان وتعميق الانقسام الوطني.
أما دولياً، فيسعى البرهان وراء اعتراف غربي يتناقض مع خطابه المتكرر ضد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فهو يحاول توظيف الأزمة الإنسانية وإلقاء اللوم على قوات الدعم السريع لتقديم نفسه باعتباره الطرف المنضبط والمسؤول. لكن هذا المسعى يواجه عقبات كبيرة بسبب سجل القصف الجوي للمناطق المدنية، والانتهاكات الواسعة، ومحاولات توظيف الذهب والموانئ كأوراق ضغط في صفقات سياسية مكشوفة. كما أن محاولته توسيع الصراع إلى إطار عربي وأفريقي لكسب التأييد لا تغيّر من حقيقة أن الشرعية الدولية تبنى على احترام الإنسان والقانون، لا على توظيف المعاناة أو المساومة بها.
وفي النهاية، تكشف تصريحات البرهان عن أزمة قيادة تعكس أزمة مشروع دولة بأكملها، فالسودان يعيش مرحلة تتجاوز قدرة الخطاب السياسي على تجميل الواقع أو إعادة تعريفه. سردية حماية الدولة الوطنية لم تعد قادرة على إخفاء الحقيقة الواضحة: أن الدولة نفسها تحتاج إلى من ينقذها من الحرب والانقسام والارتهان للخارج، لا إلى من يحمّل الآخرين مسؤولية الفشل دون مراجعة أو محاسبة. فإعادة بناء السودان تبدأ بإيقاف الحرب، وتأسيس سلطة مدنية، وتفكيك الدولة الموازية، وإعادة الاعتبار للمواطن الذي دُمرت حياته باسم شعارات لم تعد تقنع أحداً. وكل محاولة للقفز فوق هذه الحقائق لن تكون سوى استمرار لدوامة الانهيار التي يدفع الشعب السوداني ثمنها الأكبر.




