رأي

مناوي بين الخطاب المتضارب وانهيار الموقف السياسي: قراءة نقدية في مقالٍ بلا بوصلة

محمد أحمد ود الفاشر

 

 محمد أحمد ود الفاشر

يقدّم مني أركو مناوي في مقاله الأخير نموذجاً واضحاً للارتباك السياسي وتضارب المواقف، وهو ارتباك ظل يلازمه منذ سنوات طويلة. فالمقال، على امتداده، يكشف عن أزمة حقيقية في المنهج والرؤية، ويعبر عن حالة من التيه السياسي الذي جعل الرجل عاجزاً عن إنتاج موقف متماسك أو قراءة موضوعية للواقع. وكما يقول الحكماء: “المواقف العرجاء لا تقوى على السير مهما طال الطريق.”

فمنذ الأسطر الأولى، يظهر المقال بلا منهج واضح؛ يبدأ بالحديث عن الهدنة الإنسانية، ثم يقفز إلى الاتهامات بلا سند، قبل أن يعرّج على لغة إنشائية متناقضة. هذه الفوضى لا تعكس فقط ارتباك الكاتب، بل تكشف غياب البوصلة السياسية التي يفترض أن يمتلكها شخص يصف نفسه بأنه صاحب رؤية وطنية. فالمقال يبدو أقرب إلى ردود الأفعال منه إلى التحليل، وأقرب إلى الانفعال منه إلى الفهم، وأقرب إلى محاولة التنصل من المسؤولية منه إلى تحملها بشجاعة.

وتزداد المفارقة وضوحاً حين يتحدث مناوي عن الوضع الإنساني والإبادة والمآسي، بينما تاريخه السياسي في دارفور كان جزءاً من المشكلة وليس جزءاً من الحل. فهو لاعب محوري في بدايات النزاع، وصاحب تحالفات متقلبة، وشخصية استفادت من أزمات المنطقة سياسياً لسنوات طويلة. ولهذا فإن حديثه اليوم بلهجة الواعظ الأخلاقي لا يخلو من تناقض صارخ، وقد قيل قديماً: “لا يحق لمن أشعل الحرائق أن يقدّم نفسه رجل إطفاء.”

ومع ذلك، يمضي مناوي في مقاله ليهاجم الدعم السريع بحدة، متجاهلاً أنه كان جزءاً من المعادلة السياسية التي سمحت بتعاظم هذا النفوذ. فقد تحالف مع النظام الذي أنشأ هذه القوة، وسار في ركاب ترتيباته سنوات طويلة، ثم يعود اليوم ليتبرأ من نتائج كان هو نفسه جزءاً من صناعتها. هذا التناقض وحده كافٍ لنسف مقاله من أساسه.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ قدّم مناوي قراءة انتقائية لأحداث الفاشر، متجاهلاً مسؤوليته السياسية المباشرة كحاكم لإقليم دارفور سابقاً، وفشله في بناء مؤسسات حقيقية أو الحد من الانقسامات القبلية. فقد كان الإقليم خلال فترة وجوده على رأسه نموذجاً للتراجع المؤسسي، والشلل الإداري، وغياب الرؤية، وهي حقائق لا تُمحى بعبارات إنشائية مهما أحكم صياغتها.

المثير كذلك أن مناوي أعاد إنتاج الخطاب ذاته الذي تتبناه الحركة الإسلامية منذ بداية الحرب؛ نفس المفردات، نفس الاتهامات، ونفس السرديات عن “التهديد الوجودي” و”الإبادة”. وهذا التشابه لا يمكن تفسيره إلا باصطفاف سياسي جديد وجد الرجل نفسه فيه بعد أن فقد نفوذه وتراجع تأثيره، فانصرف إلى تبني خطابات غيره ليعيد تعريف دوره الضائع.

ويظهر من خلال المقال أن مناوي يعيش أزمة حقيقية: فقد تراجع تأثيره، وفقد جماهيريته، وغاب موقعه في المشهد، فصار يبحث عن دور جديد عبر نصوص مشحونة بالصخب، لكنها خالية من الرؤية. ولذلك يصدق عليه القول:

من فقد ظله لا يصنعه بالضوء… بل بالثبات.

وفي الخلاصة، فإن نقدمه من نقد لمقال مناوي ليس دفاعاً عن جهة ضد أخرى، بل هو دفاع عن الحقيقة ضد التشويه، وعن الوعي ضد التضليل، وعن السودان ضد محاولات صناعة شرعيات سياسية تقوم على إعادة كتابة الماضي. فالمقال الذي كتبه مناوي لا يمثل قراءة سياسية بقدر ما يمثل وثيقة انكشاف لرجل فشل في قراءة اللحظة، وعجز عن بناء مشروع، وسقط في اختبار الرؤية.

والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يرحم، والسودان أكبر من كل المشاريع الصغيرة التي يحاول البعض تمريرها تحت الظلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!