
حامد نحوله
عبر التاريخ …ومنذ فجر البشرية ..كانت الحرية من أهم ما يسعى اليه الإنسان والمجتمع البشري …علما أنه كان من الصعب دائما الإتفاق على تعريف جامع مانع ومحدد لمفهوم الحرية …وكان ذلك من اصعب مشكلات الفكر السياسي …والحرية كقيمة مطلقة لا خلاف عليها ..ولكنها كقيمة نسبية ايضا كانت دائما في عملية تطور وتغيير تبعا للتطور والتغيير في المجتمع والعلاقات الإجتماعية ..ولا يخفى أن هناك فرق في مفهوم الحرية وتطبيقاتها في المجتمع البدائي والقبلي والمجتمع الصناعي المتقدم مدنيا وتكنولوجيا وحضاريا …وقد ناضلت البشرية ومنذ فجر التاريخ من أحل ثلاثة انواع اساسية من الحرية …(1) الحرية الشخصية (اجتماعيا )..و (2) الحرية والإنعتاق من التسلط الطبقي الذي مارسته الطبقات المستغلة ( بكسر الغين ) و (3) الحرية الوطنية والقومية من الهيمنة الأجنبية والإستعمار بكافة صوره وأشكاله …وهي في الحقيقة ثلاثة أوجه للحرية ..قد تبدو منفصلة للوهلة الأولى ..ولكننا لو دققنا وأمعنا النظر فيها لوجدناها مترابطة أشد الإرتباط في سياق عملية التطور الإجتماعي والسياسي لكل المجتمعات البشرية …ولا شك انه كلما ارتقى المجتمع في المدنية تزداد الحاجة الى تنظيم العلاقات بين افراده ولتنظيم عبور هذا المجتمع الى آفاق اوسع من الحرية التي تزداد باضطراد نتيجة للتراكم الحضاري واستعمال احدث المنجزات الحضارية واقتناء ادوات المعرفة من تلفزيون وكمبيوتر وانترنت …الخ والحرية ..اطلاقا …ليست فوضى كما يحاول الرجعيون وقوى الشد العكسي ( السياسي والإجتماعي ) تصويرها …ولكنها التحرر من القيود التي وضعتها القوى المهيمنة على المجتمع ( سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ) خدمة لمصالحها اساسا …والحرية لا تعني انعدام القيود ..يجب ان يكون هناك قيودا تمنع الفوضى التي قد ترتكب باسم الحرية ..واعني بالقيود هنا ..القوانين الناظمة للحرية وممارستها والتمتع بها …بالإضافة الى ما يفرضه احترامنا للعادات والتفاليد والذوق العام والعقائد والتربية …كل هذا قد يساهم في تضييق هامش الحرية ..ولكنه يبقى افضل من ترك الحبل على غاربه لحرية غير مسؤولة ..لا تؤدي الا الى الفوضى … والقوانين ( القيود ) ..يمكننا تقسيمها الى قسمين رئيسيين.. : الأول …يحول دون نمو الحرية وانطلاقها ..وهذ النمط من القيود يجب الثورة عليه واستنهاض الهمم لإلغاءه وازالته من الوجود ….والثاني …قيود وقوانين وجدت لتكفل نمو الظروف المساعدة لاتساع دائرة الحريات الشخصية والمجتمعية …وهذه علينا ان نعمل على تطويرها ونموها وازدهارها … وكما يناضل الفرد من اجل المزيد من الحرية الشخصية …فإن الشعوب تناضل كذلك توقا الى الحرية والإنعتاق …وقد توصلت البشرية الى القضاء على الكثير من اشكال الإستعباد ..كالرق والإستعمار …ولكن ما زال امامها الكثير لتنجزه على هذا الطريق الشاق والطويل …ومن خلال النضال من اجل الحرية ..اهتدت الشعوب الى اهمية خلق مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وجمعيات واحزاب سياسية …الخ …وخاضت الشعوب في سبيل تحررها الكفاح بكافة صوره واشكاله لتنال استقلالها السياسي والاقتصادي ولتنعم بالحرية المنشودة وللخلاص من الهيمنة الأجنبية …كما خاضت وما زالت تخوض نضالا لا يقل ضراوة في سبيل الانعتاق من قبضة الرأسماليين وبقيا القوى الأقطاعية والعشائرية الرجعية ..وضد الأنظمة الدكتاتورية القابضة على رقاب هذه الشعوب بالحديد والنار تحت شتى الذرائع والحجج …بما فيها الأستغلال البشع للدين والموروث الأجتماعي الذي توظفه هذه الأنظمة بما يخدم مصالحها وبما يمدد بقاءها على رأس السلطة …ان النضال من اجل العدالة الأجتماعية وضد استغلال الأنسان لأخيه الأنسان والنضال لأزالة الفوارق الطبقية والفجوات الأجتماعية هو ايضا نضال من اجل حرية الأنسان ..
من أراد الحرية عليه أن يدفع ثمنها، ومن أراد دعم المقاومة فعليه أن يكون عونًا وسندًا، لا مصدرًا للتثبيط والتشكيك. الشعوب التي تنشد الحرية تعرف أن النصر ليس وعدًا فارغًا، بل حقيقة قادمة لمن يثبت على الحق ويصبر على البلاء. ومن يتجرأ، ينتصر.
النضال هو عنوان الشعوب الحرة والمسار الذي لا مفر منه لمن يريد التحرر. ورغم قسوة الطريق، فإن النصر دائمًا كان حليفًا لمن ضحوا وصبروا. واليوم، ونحن نشهد الصراع المستمر ضد الاحتلال والظلم، علينا أن ندرك أن الحرية تستحق التضحيات، وأن الشعوب التي تصمد لا تُهزم أبدًا.
النضال ليس خيارًا؛ بل قدر، والحرية ليست حلمًا؛ بل حق ينتزع. والنصر، بإذن الله، قادم ما دام فينا أبطال يصرون على انتزاع الحرية.




