رأي

من يحكم السودان؟ سؤال اللحظة المؤسسة لبناء الدولة

إسماعيل رحمة المحامي والمستشار القانوني الدولي

 

إسماعيل رحمة المحامي والمستشار القانوني الدولي 

في ظل حالة التشظي والاستقطاب الحاد وخطاب الكراهية والعنصرية الذي يزداد تفاقماً يوماً بعد يوم، ومع استمرار سياسة ضرب المكونات الاجتماعية وتمزيق النسيج الوطني، بات واضحاً أن السودان يعيش حصيلة تراكمات فشل تاريخي في إنجاز التحول المدني الديمقراطي وتأسيس دولة المؤسسات والدستور وسيادة حكم القانون. هذا الفشل المؤكد والمُوثَّق ليس محل شك أو إنكار، وهو ما يدفع نحو ضرورة إعادة النظر في أسئلة السياسة السودانية ومناهج التفكير التي حكمت المشهد منذ فجر الاستقلال وحتى اليوم. فمنذ عام 1953 ظل سؤال واحد يتردد بشكل رتيب وممل: كيف يُحكم السودان؟ وهو سؤال لم يُنتج إجابة، ولم يحقق التزاماً، ولم يقُد إلى نتيجة تُفضي إلى استقرار دستوري أو ترسيخ ديمقراطية مستدامة. لقد صار هذا السؤال دائرة فارغة تُدار حول ذاتها دون مخرج، لأنه في جوهره سؤال ناقص يبدأ من النهاية لا من البداية، وينشغل بالشكل دون المضمون.

لهذا يصبح من الضروري طرح سؤال آخر أكثر جوهرية وعمقاً، سؤال يسبق كل حديث عن الحكم والدستور والسلطة، ويكشف أصل الأزمة لا مظاهرها: من يحكم السودان؟ إذ لا يمكن بناء دولة أو وضع دستور أو صياغة مؤسسات مستقرة قبل تحديد هوية صاحب الحق في الحكم، ومن هو المخول لاتخاذ القرار السياسي نيابة عن الشعب. فالسودان ظل أسيراً لطريقتين مدمرتين لانتزاع السلطة: الانقلابات العسكرية التي تختطف الدولة بقوة السلاح، والاستهبال السياسي الذي يزوّر إرادة الناس عبر الانتخابات المزيفة وائتلافات النخبة التي تعيد تدوير السلطة بين مجموعات محدودة، وتتجاوز الأغلبية السكانية وحقوقها.

إن الإجابة على سؤال من يحكم السودان ليست مجرد عملية نظرية، بل هي تحديد لوصف وظيفي أخلاقي وسياسي لمن يتقدم لقيادة الدولة. فالدولة ليست شخصاً ولا قبيلة ولا نخبة مركزية ضيقة، وإنما هي كيان مدني دستوري ومؤسسات قانونية مهمتها حماية الحقوق وصيانة الحريات ورعاية مصالح المواطنين وفق عقد اجتماعي عادل. ومن هذا المنطلق يصبح الوصول إلى السلطة حقاً للأغلبية السكانية، لا امتيازاً لمن يحمل السلاح أو يحتكر النفوذ أو يجيد التلاعب السياسي. فمن يحكم السودان يجب أن يلتزم بمبدأ العدل فوق الجميع، وأن يمارس القيادة بأيدٍ نظيفة خاضعة للرقابة والمساءلة، وأن يحصل على شرعيته من الناس، لا من انقلاب عسكري ولا من انتخابات مزورة.

إن الطريق نحو حل مستدام يكمن في مشروع وطني يقوم على الفيدرالية الدستورية التوافقية، باعتبارها الإطار الذي يضمن تحرير السلطة من مركزية النخب، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة في اتخاذ القرار، وترسيخ وحدة وطنية قائمة على الإرادة الحرة لا الإكراه. كما يقوم هذا المشروع على تنمية المجتمعات المحلية وتطوير قدراتها بشكل أفقي، من خلال بناء موارد بشرية مؤهلة وصناعة بيوت خبرة محلية تضم النساء والشباب والطلاب والمهنيين، ليصبحوا شركاء حقيقيين في تطوير العمل الخدمي والتنفيذي والتشريعي والقضائي. فالمجتمعات المحلية ذات الأغلبية السكانية هي قاعدة هرم السلطة، وهي صاحبة المصلحة في رفع الظلم التاريخي وإنهاء الهيمنة السياسية التي عطّلت مسار الدولة لعقود.

وسيجد هذا الطرح مقاومة من جماعات الأقليات السياسية والاقتصادية التي اعتادت الوصول إلى السلطة عبر الانقلابات أو عبر تزوير الإرادة الشعبية، لأنها تخشى فقدان امتيازاتها التاريخية. ومع ذلك فإن الاتجاه نحو سؤال من يحكم السودان يمثل خطوة شجاعة نحو إعادة تأسيس الدولة على أساس العدالة والتمثيل الحقيقي للأغلبية، وتجاوز مرحلة اختطاف القرار الوطني من قبل الأفراد أو الجهات التي ترى السلطة إرثاً خاصاً لا حقاً عاماً.

إن الإجابة الحاسمة هي أن السودان يجب أن يحكمه من تمثله الأغلبية السكانية، من يلتزم بالعدالة، ويخضع للمساءلة، ويعترف بحق الضحايا، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة، ويرفض الانقلابات والاستهبال السياسي. إن السودان لا يُبنى بالدبابة ولا بالمؤامرات ولا بصفقات النخب، بل بإرادة شعبه الواسعة وبعقد اجتماعي جديد يحفظ الحقوق ويصون الكرامة. ومن دون ذلك سيظل السؤال القديم عالقاً بلا إجابة، وستظل الدولة أسيرة الفوضى والفشل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!