
سهيبة مريش ..نيالا
يعيش السودان هذه الأيام مرحلة سياسية مضطربة، حيث تتشابك الأوضاع السياسية والعسكرية في شبكة معقدة من التحديات، ويقف رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في قلب هذه الأزمة، محملاً بمهام مصيرية تتعلق بمستقبل البلاد. وفي الوقت الذي يواجه فيه السودان تحديات جسيمة، تبدو القرارات السياسية التي تصدر عن قيادته متضاربة، وتفتقر إلى الرؤية الواضحة، ما يزيد حالة عدم الاستقرار ويضع مستقبل الأمة على المحك.
لقد أسهم التخبط في القرارات الأخيرة في بروز حالة من الفوضى السياسية، إذ شهدت الفترة الماضية صدور مواقف متناقضة من قبل البرهان، بعضها يتناقض مع الآخر، ويترك انطباعًا بأن القيادة غير قادرة على توجيه البلاد نحو الاستقرار المنشود. التردد في اتخاذ القرارات الحاسمة أدى إلى تأخر معالجة الأزمات المستمرة، وفشل المساعي السياسية الداخلية والخارجية في تحقيق تقدم ملموس. وهذا الأمر يعود جزئيًا إلى سيطرة تيارات إسلامية على صناعة القرار، والتي تعمل وفق أجنداتها الخاصة، بغض النظر عن تكاليف ذلك على الشعب، مستغلة ضعف القيادة في تحويل مصلحة الجماعة إلى أولوية على حساب المصلحة الوطنية.
في هذه الأجواء، يبدو أن لعبة السلطة أصبحت معيارًا يتحرك وفقه البرهان، إذ تُتهم قيادته بالاستمرار في تأجيل القرارات المصيرية والتمسك بمواقف محددة لحماية مصالحه الشخصية ومصالح رموز النظام السابق. حتى في مواجهة انهيار الجيش أمام قدرات قوات الدعم السريع، الذي أثار الدهشة بمهاراته القتالية، ظل التركيز على البقاء في السلطة أكثر من الاهتمام بحماية الدولة والشعب. هذا التردد في اتخاذ القرار يعكس خطورة السلوك السياسي، إذ غالبًا ما يضيع الوطن بينما تُراعي القيادة مصالحها الشخصية على حساب الجميع، في وقت يحتاج الشعب فيه إلى رؤية واضحة وثابتة.
الأزمة تتعمق أيضًا بسبب التعامل غير المدروس مع العمليات الإنسانية، إذ استخدمت بعض المناطق مواطنين كدرع بشري، وتعرضت جهود الإغاثة للعرقلة، كما تمسك بشروط تعجيزية في التفاوض، تجاوزها الزمن، ما أعاق مسار العملية السياسية الوطنية، وعرقل جهود الوصول إلى سلام دائم وشامل. فالتباطؤ في اتخاذ القرار الحاسم يترك الأمة في ظلال عدم اليقين، ويضاعف صعوبة معالجة الصراعات الداخلية والخارجية.
إن الاستقرار السياسي في السودان يتطلب رؤية واضحة واتخاذ قرارات مدروسة، بعيدة عن التخبط والتلاعب بمصير الشعب. القادة السياسيون مسؤولون أمام التاريخ والشعب، وأي قرار خاطئ يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع وتأجيج الصراعات، مع ما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وأمنية. يجب أن يكون الهدف الرئيس هو المصلحة العامة، وليس حماية مصالح شخصية أو حزبية ضيقة، وأن تتحمل القيادة مسؤولياتها تجاه كل مواطن سوداني، بعيدًا عن أي حسابات سياسية ضيقة.
إن تجربة السودان الأخيرة تُظهر أن تجاهل مصالح الشعب والتمسك بالمواقف الفردية يؤدي إلى فقدان الشرعية والثقة، ويزيد من الانقسامات الداخلية ويعقد العملية السياسية. وفي ظل هذه الظروف، يظل الشعب السوداني بحاجة إلى قيادة تمتلك القدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوفير الأمن والخدمات الأساسية، وضمان عودة الحياة الطبيعية إلى المواطنين. القيادة الفاعلة هي من تعي أن من يعبث بالسلطة يخسر الوطن، وأن مراعاة الشعب تنقذه من الفوضى، فالأمة لا تُبنى على الأوهام وإنما على القرارات الجريئة والواضحة.
في هذا السياق، يجب على القيادة الحالية أن تتخلى عن لعبة السلطة الفوضوية، وأن تسعى لتحقيق وحدة وطنية حقيقية، تعيد الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتؤسس لمسار سياسي واضح يحمي مصالح الشعب ويضمن مستقبله. فالقرار الحاسم هو ضوء يخرج الأمة من الظلام، والتهرب منه يعمق الجهل والفوضى، ويترك المجتمع في حالة من الفوضى المستمرة. القدرة على وضع المصلحة العامة فوق أي اعتبارات أخرى، وتحويل القرارات من أداة للربح الشخصي إلى وسيلة لحماية الوطن وبناء مستقبل أفضل للأجيال القادمة، هي ما يحدد مصير السودان فعليًا.




