
خضر كوة
لم يكن عبور الجنود المنهارين نحو الجنوب حدثًا عسكريًا عابرًا، بل زلزالًا سياسيًا ضرب عمق الهوية التي شيّدتها الدولة السودانية منذ فجر الاستقلال. ففي تلك اللحظة الفاصلة، تهاوت كل الشعارات التي رفعتها النخب الحاكمة لعقود؛ شعارات العلو العرقي، والمركز المتفوّق، واحتكار الوطنية، التي ظلّت تُبث من منابر المساجد ومنابر الإعلام على حد سواء. ومع هذا السقوط، تكشّف انهيار مشروع كامل بُني على إقصاء الهامش وتحويل التنوع السوداني إلى درجات على سلّمٍ وهمي.
عندما وصلت قوافل الجنود إلى بوابات روينق، لم يكونوا يهربون من رصاص خصمٍ على الأرض فحسب، بل كانوا يفرّون من منظومة فكرية رُبّوا عليها: مناهج تعليم صاغتها المركزية، خطابات منابر غذّت الانقسام، أناشيد عسكرية رسّخت الاستعلاء، وتصوّرات مزيفة رسمتها الخرطوم لذاتها على حساب الآخرين. كان الجنود يهربون من الدولة التي صنعتهم كما تهرب الضحية من جلادها، وإن كانت هذه المرة الضحية هي الجلاد نفسه.
ووقف الجندي الشمالي على أرض الجنوب لأول مرة بلا صفة المنتصر ولا ملامح المتفوق، بل بصفة اللاجئ السياسي بامتياز. فهذا لم يكن انسحابًا عسكريًا؛ كان انهيارًا لهويةٍ كاملة ادّعت التفوق بينما كانت تخفي هشاشتها بالعنف. كان لجوءًا لنظام أضاع فرص السلام، وأطال عمر الحرب ليرسّخ سلطته، ثم انكشف ضعفه عند أول امتحان أخلاقي.
وفي الجهة المقابلة، كانت دولة جنوب السودان تقدم درسًا سياسيًا وإنسانيًا نادرًا. فقد استقبلت جنودًا ينتمون إلى قوة مارست ضدها الانتهاكات لسنوات طويلة، ومع ذلك وفّرت لهم الحماية، وتجاوزت إرثًا من الجراح العميقة. بذلك أثبت الجنوب أنه أكبر من رواية الخرطوم الرسمية، وأكبر من الحرب، بل وأكبر حتى من تجربة الانفصال نفسها. لقد نسف نظريات العداء التاريخي، وقدم موقفًا أخلاقيًا فشل فيه النظام الذي ظلّ يدّعي تمثيل السودان.
هذه اللحظة ليست مجرّد مفارقة سياسية؛ إنها إدانة كاملة لمشروع الدولة المركزية الذي احتكر الوطنية، وللنخبة التي شيّدت هويتها على الإقصاء، ولخطاب العروبة السياسية الذي جرّ البلاد إلى صراعات لا تنتهي. وللمرة الأولى منذ عقود، وقف الجنوب بوصفه قوة أخلاقية تتفوق على من ادعى قيادة السودان.
إن ما حدث عند حدود الجنوب ليس هروب جيش، بل سقوط منظومة كاملة. سقوط خطاب بنى مجده على القهر. سقوط هوية مزيفة لم تصمد أمام اختبار الإنسانية حين مدّ الجنوبي يده بالماء لمن كان يراه بالأمس “عدوًا”.
التاريخ لن ينسى هذا المشهد، لأنه لا ينتمي لصفحات الحرب، بل لصفحات الحقيقة. لقد كشف من كان يحارب من، ومن ظلّ إنسانًا رغم الجراح، ومن كان يختبئ خلف شعارات لا تساوي شيئًا أمام يدٍ جنوبيّة تحمل الماء بثبات، ودون أن ترتجف.




