
خالد فضل
يتفهم المرء ولا يقبل ؛ تواطؤ وانحيازات موظف المحلية , عنصر الشرطة أو الأمن أو الاستخبارات العسكرية , وبالطبع كادر المليشيا أو عضو تنظيم الكيزان أو حتى فرد في مليشيات التقراي الإثيوبية وغيرها من المليشيات الجهادية الصديقة , بل يتفهم ولا يقبل؛ انحيازات مجلس السيادة على خواء عرشه ,ومجلس وزراء (أو أوزار) كامل إدريس وبقية العقد الوهيط من منسوبي الفلول وحركات البنادق للتوظيف وخالد الإعيسر وحتى النائب (النائم) العام في بورتسودان , ولكن يتعذر تفهم أو قبول انحيازات قاض , في أي درجة كان , وفي أي منضدة محكمة جلس . عفوا ؛ أعني القضاة من غير الذين وصفهم الدكتور عبدالعزيز عشر المحامي , وفصّل طريقة تجنيدهم للحركة الإسلامية منذ أن كانوا طلابا في كليات القانون , والشرط الأساسي أن يكونوا (على الحديدة) أي فقراء معدمين يكاد آباؤهم يقتلونهم من إملاق . وقد رسخ في ذهني منذ أيام الصبا الباكر الشرح الملهم للشيخ الشعراوي لآيتين متشابهتين في القرآن الكريم , الفرق بينهما كلمتي (مِنْ) و (خشية) إملاق . وفي ختامهما تقديم رزق الأبناء في (خشية) , وتقديم رزق الآباء في (من). كما لا أعني ضباط جهاز الأمن المنتحلين لصفة قضاة ؛ مما كشفته لجنة تفكيك نظام 30يونيو1989م واسترداد الأموال العامة المنهوبة .
هنا نتحدث عن قاض , درس وتدرب فتخرج وجلس على المنضة حكما بين المتخاصمين سواء كانوا أشخاصا طبيعيين أو إعتباريين . فهل هذا الصنف موجود ؟ فقد تم في مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار إصدار حكم بالإعدام شنقا حتى الموت على المحامي أبوبكر منصور ؛ بتهمة التعاون مع الدعم السريع إبان فترة إجتياح قواته للمدينة وانسحاب القوات العسكرية والأمنية والمليشياوية المتحالفة معها قبل عام تقريبا . وقد قام القاضي عبداللطيف آدم محمد علي بتقديم موعد جلسة النطق بالحكم المعلنة يوم 9أكتوبر إلى يوم الأحد 5أكتوبر2025م . دون أن ينظر في الحيثيات الإضافية التي طلبتها محكمة الإستئناف , وبحسب بيان محامو الطوارئ فإنّ القاضي المذكور تم انتدابه خصيصا للنظر في القضايا ذات الطبيعة السياسية , كما قامت الأجهزة الأمنية بإعتقال المحامي أبوبكر الماحي قبل خمسة أيام وهو عضو في هيئة الدفاع عن زميله المدان , وصدر الحكم دون تمكين هيئة الدفاع من حضور الجلسة . علّقت شقيقته المهندسة الزراعية سهام منصور في منشور على حسابها في الفيس بوك : نحن نؤمن بعدل الله وأن الحق سيظهر مهما طال الزمن , اللهم احفظ بكري وفك أسره وأرنا في كل ظالم قدرتك وعدلك . المعلوم أنّ اجتياح سنجة وتنصيب المرحوم البيشي حاكما عليها قد تم في مكتب الوالي بحضور أبي عاقلة كيكل عندما كان قائدا بارزا في الدعم السريع قاد اجتياح ولاية الجزيرة , حاليا يتمركز بعض عناصر قواته في مدينة الحصاحيصا وتتخذ من دار حزب المؤتمر الوطني المحظور مقرا لها ونشرت أخبار مؤخرا عن شبهة اغتصاب جماعي لصبي من المستنفرين داخلها لاذت السلطات بالصمت حيالها حتى الآن , والمستنفرون هم اسم (الدلع) للمجاهدين أيام حرب الجنوب في التسعينات حسبما قال داعية الإسلام السياسي د. عبدالحي يوسف . في وقت كان فيه المحامي المدان عاكفا بمنزل أسرته يرعى شؤون والده وأطفاله ويوزع الدواء للمرضى مثلما كان يفعل المرحوم المحامي صلاح الطيب في العزازي وكلاهما شهد له بالعمل الإنساني أثناء حرب الكرااامة !!!!!!
في المقابل وفي لاهاي الهولندية , كان قضاة المحكمة الجنائية الدولية , من على منصة العدالة الحقيقية , وحيث النزاهة والمهنية في اسمى تجلياتها , وحيث شروط المحاكمة العادلة قد استوفت تمامها , وحيث التوقيت المحدد سلفا للجلسة , وبحضور ممثلي الإتهام وهيئة الدفاع , وبمراقبة ومتابعة لصيقة من كل المهتمين , أصدر القضاة (المالين هندام القضاة العدول) حيثيات التهم ضد علي كوشيب , بإدانته في 27 جريمة من أصل 31 تهمة وجهت إليه سلفا . إنها العدالة التي لا تسقط بالتقادم ومرور الزمن وتبدل الأحوال . فالمدان متهم بارتكاب جرائمه ضد الضحايا المدنيين العزل في إقليم دارفور خلال الأعوام 2003_2004م , وهو قائد من قادة مليشيا الجنجويد ثبت تورطه الشخصي في قيادة تلك الإنتهاكات الخطيرة المحددة والموصوفة بموجب القانون . وكما هو معلوم فإنّ المدان ضمن أربعة ما يزال ثلاثة منهم يوصفون بالفارين من وجه العدالة وهم عمر البشير وأحمد هرون وعبدالرحيم محمد حسين , وجميعهم يواجهون التهم التي أدت لإدانة كوشيب بعد يوم واحد فقط من إدانة القاضي عبداللطيف للمحامي ابوبكر في سنجة . وبحسب الموعد المحدد سلفا كان ينبغي أن تأتي إدانة المحامي عقب موعد إدانة كوشيب , لكن يبدو أنّ هناك سببا أو ضرورة ملحة عجلت بالمواعيد والله أعلم . لعل هاتفا سماويا قد أوحى للقاضي العادل في سنجة بالتعجيل في فعل الخيرات . وهل من خير أكثر للسودانيين من إدانة المذنبين . أما قضاة لاهاي الذين لا يؤمنون بالغيب فقد مارسوا مهنتهم بما تمليه عليهم ضمائرهم اليقظة فاقتصوا للضحايا الحقيقيين من أحد جلاديهم وتظل وصمة (هارب من العدالة ) تلاحق بقية المتهمين , لكن أبوبكر المدان وأبوبكر المدافع عنه أمام القاضي , تحفظهما دعوة سهام .. عدل الله باق ومنتصر يقينا , وفي الظالمين تتجلى قدرته سبحانه وتعالى وهو خير الحاكمين . ولن تتمزق صفحة درس بعنوان حرية سلام وعدالة وإن مزقها من كتاب المطالعة الإبتدائية ؛ مهووس يسجد جاثيا تحت قدمي المتهم الهارب عمر البشير أو سخر منها مضحكاتي ضحل التفكير . تاريخ الظلم قديم لكن طلب العدالة أقدم .



