رأي

أزمة «المثقف السائل»… حين يتبدّد المعنى ويتشظّى الموقف

عبد الرحمن ابو رندة .. بنسلفانيا

 

 عبدالرحمن أبو رنْدة… بنسلفانيا 

في قلب العاصفة السودانية الراهنة تتبدّى أزمة جديدة تتجاوز أزمة المثقف التقليدي الذي يسقط في فخاخ الاصطفاف أو يحتمي بالجهة أو يبرّر امتيازات الماضي. إنّها أزمة «المثقف السائل»، ذلك النموذج الذي يتفلّت من الثبات ويتحوّل مع حركة الواقع فلا يستقر على موقف ولا يُمسك بجوهر الحقيقة، ولا يحفظ لنفسه خطًا معرفيًا أو أخلاقيًا واضحًا. إنه مثقف يتبدّل كما يتبدّل السائل في الوعاء، بلا بنية فكرية، وبلا مركز قيمي، وبلا التزام نقدي.

والمثقف السائل ليس ظاهرة منعزلة عن الحرب الدائرة، بل هو أحد منتجاتها المباشرة. ففي لحظة الانهيار الكبرى لم يعد المثقف قادرًا على التمييز بين ما هو موقف مبدئي وما هو مجرّد رد فعل عاطفي أو جهوي أو وجودي. وبينما سقط بعض المثقفين في فخ الانتماءات التاريخية، وسقط آخرون في فخ الوعي الزائف، ظهر المثقف السائل بوصفه الابن الأحدث لأزمة الوعي السوداني: مثقف يرفع شعارات كبرى لكنه عاجز عن تحويلها إلى مواقف، ويعلن انحيازًا عامًا لكنه يتراجع أمام أول امتحان عملي.

ولأن هذا النموذج لا يحافظ على شكل، فإنه لا يحافظ على مبدأ. قد يكتب عن الحرية ثم يبرّر القمع، وينتقد الدولة ثم يلوذ بها حين يتزايد الخوف، ويندد بالحرب ثم يندمج في خطابها بذريعة «الظرف الحرج». وهو في ذلك لا يمارس الوعي بقدر ما يمارس التكيّف: التكيّف مع الجهة حين تقوى، ومع السلطة حين تلوّح، ومع الجماهير حين تغضب. إنه مثقف يهرب من المسؤولية الأخلاقية إلى الإغراض اللحظية، فتراه حاضرًا في كل موقف وغائبًا عن كل معنى.

أخطر ما يفعله المثقف السائل أنه يربك المجال العام أكثر مما يضيئه. فالمواطن يستطيع أن يفهم موقفًا واضحًا حتى وإن اختلف معه، لكنه يجد نفسه أمام هذا النموذج في حيرة لا يعرف من خلالها أي خطاب يصدق وأي رؤية يتبع. وهكذا يتحوّل المثقف من رافع للوعي إلى صانع للضباب، ومن مرشد للمجتمع إلى عنصر يفاقم التشوش ويعمّق الانقسام.

وبالمقابل يحتاج السودان اليوم إلى المثقف العضوي بالمعنى الغرامشي، ذلك المثقف الذي تتخلق أفكاره داخل لحم المجتمع الحيّ، المرتبط بقضاياه العميقة والمنحاز للفئات التي تطمح إلى تغيير النظام السياسي والاجتماعي القائم منذ عقود. المثقف العضوي ليس صوتًا فوقيًا يطل من منصته الأكاديمية ولا شاهدًا محايدًا يقف على مسافة واحدة من الظلم والعدالة، بل هو جزء من حركة المجتمع نحو التحرر، ومساهم في إنتاج معرفة تُغيّر الواقع ولا تتكيّف معه.

إن المثقف العضوي هو نقيض المثقف السائل. فالأول ثابت في مبدئه والثاني متقلّب في مواقفه، والأول يصنع رؤية والثاني يصنع ضبابًا، والأول ينحاز للتغيير الجذري بينما الثاني يبرّر بقاء القديم بطرق مختلفة. وفي النهاية فإن مأزق المثقف السائل ليس سوى مرآة لمأزق الوعي السوداني كله: وعي سائل يتبدّد بين الخوف والولاء وبين الحلم والواقع وبين الرغبة في التغيير والارتهان للماضي. ولن يخرج السودان من هذا النفق ما لم يستعد مثقفوه عضويتهم في حركة المجتمع ويستعيدوا دورهم كقوة تاريخية فاعلة لا كأصوات عابرة تعيد إنتاج الوعي المشوَّه في صياغات جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!